Homeالرأيسبتة: أسئلة بلا إجابات وراء نزوح آلاف المغاربة. بقلم إسحاق هموش

سبتة: أسئلة بلا إجابات وراء نزوح آلاف المغاربة. بقلم إسحاق هموش


في غضون ساعات قليلة، حاول آلاف المغاربة الوصول إلى مدينة سبتة الإسبانية، في مشهد لا يزال يثير العديد من علامات الاستفهام. فبين الأزمة الاجتماعية، والشائعات، وما بدا أنه خلل في إجراءات المراقبة، إلى جانب التوترات الدبلوماسية، تجاوزت هذه الأحداث مجرد قضية هجرة غير نظامية، لتطرح أسئلة عميقة حول علاقة المواطن المغربي بمستقبله، ومدى ثقته في المؤسسات، والإجابات التي لا تزال السلطات مطالبة بتقديمها.

يوم سيظل محفوراً في تاريخ المغرب
هناك أحداث تتجاوز كونها مجرد خبر عابر، لتصبح منعطفاً تاريخياً يكشف عن تحولات عميقة داخل المجتمع. وما شهدته مدينة سبتة من تدفق غير مسبوق لآلاف المغاربة نحو الحدود الإسبانية يندرج بلا شك ضمن هذه الفئة.
ففي ظرف ساعات قليلة، تدفقت أعداد كبيرة من الشباب، إلى جانب عائلات وقاصرين، نحو المعبر الحدودي أملاً في الوصول إلى الأراضي الإسبانية. وقد تناقلت وسائل الإعلام العالمية صوراً لمجموعات كبيرة وهي تتجه نحو الحدود، وشبان يسبحون بمحاذاة الحواجز البحرية مخاطرين بحياتهم، وعائلات تفرقت، وآلاف الأشخاص الذين علقت آمالهم على أمتار قليلة فقط من الضفة الأوروبية.
غير أن المشهد، رغم قوته، يخفي سؤالاً أكثر عمقاً: كيف أمكن لتحرك بهذا الحجم أن يحدث بهذه السرعة داخل بلد يُعرف بامتلاكه جهازاً أمنياً واسع الانتشار، وبقدرته على مراقبة أراضيه وحدوده؟
إن أهمية هذا السؤال لا تكمن فقط في عملية العبور نفسها، بل في سلسلة الوقائع التي سبقتها. فمن الصعب تصور أن آلاف الأشخاص يمكن أن يتجمعوا في وقت وجيز من دون أن تكون قد سبقت ذلك إشاعات أو معلومات أو رسائل انتشرت بينهم. كما أن الأمر يفترض انتقال أشخاص من مدن وجهات مختلفة نحو الشمال في توقيت متقارب، وهو ما يجعل من الضروري فهم الكيفية التي جرى بها ذلك.

بعد خطاب العرش… صورة مختلفة تماماً
اكتسبت هذه الأحداث بعداً خاصاً بسبب توقيتها. ففي اليوسبتة: أسئلة بلا إجابات وراء نزوح آلاف المغاربةم السابق، ألقى الملك محمد السادس خطاب العرش، وهو الخطاب السنوي الذي يستعرض عادة المشاريع الكبرى للمملكة، والاستثمارات، والإصلاحات، والطموحات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن بعد ساعات فقط، كانت الشاشات العالمية تنقل صور آلاف المغاربة الذين يحاولون الوصول إلى سبتة.
لقد كان التناقض لافتاً للنظر. فمن جهة، خطاب رسمي يؤكد أن المغرب يواصل مسيرة التنمية والتحديث، ومن جهة أخرى، شباب مستعدون للمخاطرة بحياتهم بحثاً عن فرصة خارج البلاد.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض مطلق بين الواقع والخطاب الرسمي، فالتقدم الاقتصادي قد يتعايش مع صعوبات اجتماعية حقيقية. غير أن تزامن الحدثين يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت هناك فجوة آخذة في الاتساع بين الصورة التي تقدمها المؤسسات عن واقع البلاد، وبين ما يشعر به جزء من المواطنين في حياتهم اليومية.
فالموانئ، والطرق السيارة، والقطارات فائقة السرعة، والمناطق الصناعية، كلها مؤشرات مهمة على التنمية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء شعور بالثقة لدى المواطن إذا ظل يعتقد أن مستقبله يوجد خارج وطنه.

حدود تخضع عادة لرقابة مشددة
يعرف المغرب بامتلاكه منظومة أمنية واسعة الانتشار. فحواجز الشرطة والدرك منتشرة على معظم الطرق الرئيسية، وعمليات المراقبة والتفتيش متكررة، كما أن تحركات المجموعات الكبيرة تمر عادة تحت أعين الأجهزة الأمنية.
ولهذا السبب تحديداً، أثارت أحداث سبتة الكثير من التساؤلات.
كيف تمكن أشخاص قدموا من مدن متباعدة مثل الدار البيضاء، والرباط، والقنيطرة، ومراكش، والصويرة، وتارودانت، بل ومن مناطق جنوب المملكة، من الوصول إلى محيط سبتة في فترة زمنية قصيرة؟
وكيف استطاعت سيارات وشاحنات تقل مجموعات من الشباب أن تقطع مئات الكيلومترات من دون أن تعرقلها إجراءات المراقبة المعتادة؟
لقد تداولت شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو فسرها البعض على أنها تظهر غياباً غير مألوف لتدخل قوات الأمن، فيما أظهرت مقاطع أخرى مركبات تمر بالقرب من نقاط مراقبة دون أن يتم توقيفها.
وبطبيعة الحال، فإن أي مقطع فيديو بمفرده لا يكفي لإثبات ما حدث فعلاً، إذ لا يمكن دائماً التحقق من زمانه أو مكانه أو الظروف المحيطة به، كما لا يمكن معرفة التعليمات التي كانت قد صدرت إلى عناصر الأمن في تلك اللحظات.
لكن تكرار هذه المقاطع، إلى جانب الشهادات المتداولة، يجعل من المشروع طرح سؤال بسيط: هل اشتغلت منظومة المراقبة يومها بالطريقة المعتادة، أم أن هناك ظروفاً استثنائية حالت دون ذلك؟

شهادات تزيد المشهد غموضاً
بعد وصولهم إلى سبتة، أدلى عدد من المهاجرين بتصريحات لوسائل الإعلام أو نشروا شهاداتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
بعضهم قال إنه سمع أن الحدود أصبحت مفتوحة بصورة استثنائية، وآخرون تحدثوا عن رسائل وصلتهم تفيد بأن إسبانيا ستستقبل الوافدين الجدد أو ستمنحهم وثائق للإقامة. كما صرح بعضهم بأن قوات الأمن المغربية لم تمنعهم من التقدم نحو الحدود، بينما ذهبت شهادات أخرى إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن توجيه أو نقل بعض الأشخاص إلى مناطق قريبة من سبتة.
هذه الشهادات موجودة ومتداولة، لكنها تحتاج إلى التحقق والتدقيق، لأن الروايات الفردية، مهما كانت صادقة، لا تكفي وحدها لإثبات حقيقة عامة.
ومع ذلك، فإن تجاهلها بالكامل ليس حلاً أيضاً، لأنها تثير أسئلة واضحة: من يقف وراء الرسائل التي تحدث عنها البعض؟ وهل كانت مجرد إشاعات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم أنها صدرت عن أشخاص منحها الناس قدراً من المصداقية؟ وكيف انتشرت بهذه السرعة حتى دفعت آلاف المواطنين إلى مغادرة منازلهم والتوجه نحو الحدود خلال وقت قصير؟

كيف تمكن آلاف الأشخاص من الوصول في الوقت نفسه؟
يكمن جوهر هذه القضية في عنصر السرعة. فمن الصعب أن يظهر آلاف الأشخاص فجأة عند حدود دولة خلال ساعات قليلة. وحتى مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، فإن تحركاً بهذا الحجم يتطلب وقتاً، ووسائل نقل، ومسافات طويلة، وقدراً من التنسيق، ولو بشكل غير مباشر.
وتشير العديد من الروايات إلى أن شباناً قدموا من مدن مختلفة، واستقلوا سيارات وحافلات وشاحنات صغيرة في اتجاه الشمال. وفي بلد تُعرف فيه الطرق الرئيسية بوجود نقاط مراقبة أمنية منتظمة، يظل السؤال مطروحاً: كيف أمكن لهذا العدد الكبير من الأشخاص أن يتحرك في وقت متقارب دون أن يلفت الانتباه بالقدر المعتاد؟
يمكن هنا تصور فرضيتين رئيسيتين، دون الجزم بأي منهما. الأولى أن أجهزة المراقبة فوجئت بسرعة الأحداث وضخامتها، فلم تتمكن من احتواء الموقف في الوقت المناسب. والثانية أن ظروفاً استثنائية أو تعليمات خاصة جعلت التدخل مختلفاً عما هو معتاد. وحتى الآن، لا توجد معطيات علنية تسمح بتأكيد أي من هذين الاحتمالين، وهو ما يجعل المطالبة بتوضيحات رسمية أمراً مشروعاً.

لماذا كان آلاف المغاربة مستعدين للمغادرة فوراً؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في هذه القضية كلها.
فالإشاعة، مهما كانت واسعة الانتشار، لا تكفي وحدها لدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم. وإذا كان هذا العدد الكبير من المغاربة قد اندفع نحو سبتة بمجرد اعتقاده بوجود فرصة للعبور، فإن ذلك يعني أن فكرة الهجرة كانت موجودة أصلاً في أذهان كثيرين قبل تلك الأحداث.
بمعنى آخر، لم تخلق أحداث سبتة الرغبة في الهجرة، بل كشفت عن رغبة كانت موجودة بالفعل لدى جزء من الشباب المغربي.
وهنا يتحول النقاش من سؤال أمني إلى سؤال اجتماعي وسياسي أعمق: لماذا أصبح عدد متزايد من الشباب يرى أن مستقبله يوجد خارج بلده؟ ولماذا تبدو الهجرة، رغم مخاطرها، خياراً أكثر إغراءً من البقاء؟
البطالة والهشاشة الاجتماعية تغذيان الرغبة في الهجرة
حقق المغرب خلال العقود الأخيرة مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والاستثمار والتنمية الاقتصادية. غير أن جزءاً من المواطنين لا يزال يواجه تحديات يومية مرتبطة بالبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفوارق الاجتماعية.
ويظل الشباب، وخاصة خريجي الجامعات، من أكثر الفئات تأثراً بهذه الأوضاع. فكثير منهم يجد صعوبة في الحصول على عمل مستقر يتناسب مع مؤهلاته، بينما يضطر آخرون إلى العمل في القطاع غير المهيكل أو الاكتفاء بوظائف مؤقتة لا توفر لهم الاستقرار ولا تسمح لهم ببناء مستقبل واضح.
كما أن الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق النائية تزيد من تعقيد الوضع، حيث تختلف فرص الشغل والخدمات العمومية والبنية الاقتصادية من منطقة إلى أخرى.
وفي مثل هذا السياق، تصبح الهجرة بالنسبة للبعض مشروع حياة أكثر منها مجرد مغامرة.

“الحكرة”… شعور يفقد المواطن ثقته
إلى جانب الصعوبات الاقتصادية، يتكرر في النقاش العمومي المغربي مصطلح “الحكرة”، وهو مفهوم يعبر عن شعور بعض المواطنين بالظلم أو التهميش أو غياب المساواة في التعامل مع المؤسسات أو أصحاب النفوذ.
ولا يتعلق الأمر بالأرقام أو المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل بالإحساس بأن الفرص ليست متاحة للجميع على قدم المساواة، وأن النجاح أحياناً يرتبط بالعلاقات أكثر من الكفاءة.
وعندما يتراكم هذا الشعور مع البطالة وغياب الأفق، يصبح فقدان الثقة في المستقبل أكثر عمقاً، ويزداد الاعتقاد بأن الطريق الوحيد لبناء حياة أفضل يمر عبر الهجرة.
ولعل أحداث سبتة كشفت عن هذا التداخل بين الضغوط الاقتصادية والشعور بعدم الإنصاف، وهو تداخل يستحق نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً.

مأساة إنسانية قبل أن تكون أزمة سياسية
بعيداً عن التحليلات السياسية والدبلوماسية، لا ينبغي أن ننسى البعد الإنساني لهذه الأحداث.
فقد خاطر كثيرون بحياتهم سباحةً نحو سبتة، فيما فقد آخرون حياتهم أو فُقد أثرهم، وعاشت عائلات ساعات طويلة من القلق والترقب.
وخلف كل رقم توجد قصة إنسان، وأب أو أم، وشاب كان يحلم بمستقبل أفضل.
ولذلك، فإن التعامل مع هذه الأزمة يجب ألا يقتصر على الأرقام أو الاعتبارات الأمنية، بل ينبغي أن ينطلق أيضاً من احترام كرامة الإنسان وفهم الدوافع التي دفعته إلى المخاطرة بحياته.

السياق الدبلوماسي بين الرباط ومدريد والجزائر
لا يمكن فصل أحداث سبتة عن السياق الإقليمي الذي شهد في تلك الفترة توترات دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، في ظل متابعة الرباط أيضاً لتطور العلاقات بين مدريد والجزائر.
وقد اعتبر بعض المحللين أن ما حدث يدخل في إطار الضغط السياسي بين الدول، بينما رأى آخرون أنه مجرد نتيجة لظروف ميدانية استثنائية.
لكن، وحتى الآن، لا توجد معطيات علنية كافية تسمح بالجزم بأي تفسير بعينه.
فالعلاقات الدولية غالباً ما تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، والهجرة أصبحت منذ سنوات إحدى القضايا التي تؤثر في العلاقات بين الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

هل يمكن الحديث عن أزمة داخلية؟
مع اتساع نطاق الحدث، ذهب بعض المراقبين إلى طرح فرضيات تتحدث عن وجود صراعات داخل مؤسسات الدولة أو عن محاولات لإضعاف المؤسسة الملكية.
غير أن مثل هذه الفرضيات تظل، في غياب أدلة موثقة، مجرد فرضيات لا أكثر.
فالاتهامات من هذا النوع تحتاج إلى وثائق، وشهادات مباشرة، وتحقيقات مستقلة، ولا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو المقارنات التاريخية وحدها.
ولهذا، فإن التمييز بين الوقائع المثبتة، والشهادات، والتحليلات، والفرضيات، يظل شرطاً أساسياً لأي عمل صحفي جاد.

أسئلة لا تزال تنتظر الإجابة
رغم مرور الوقت، لا تزال عدة أسئلة مطروحة.
من أين جاءت الرسائل التي تحدث عنها بعض المهاجرين؟
كيف انتشرت بهذه السرعة؟
هل كانت الأجهزة الأمنية على علم بها؟
لماذا بدا أن منظومة المراقبة لم تعمل بالشكل المعتاد؟
وهل يوجد تقرير رسمي يشرح بالتفصيل ما حدث في ذلك اليوم؟
إن طرح هذه الأسئلة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تشكيكاً في مؤسسات الدولة، بل باعتباره مطالبة مشروعة بالشفافية، لأن ماحدث كان استثنائياً بكل المقاييس.

سبتة… مرآة لأزمة أعمق
ربما لا تكون سبتة مجرد أزمة حدود أو هجرة.
وربما كانت، في جوهرها، مرآة تعكس أزمة أعمق تتعلق بعلاقة جزء من الشباب المغربي بمستقبله.
فالدول لا تُقاس فقط بحجم استثماراتها أو مشاريعها الكبرى، بل أيضاً بمدى ثقة مواطنيها في الغد.
وعندما يصبح مجرد انتشار إشاعة كافياً لدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم، فإن السؤال الحقيقي لا يعود متعلقاً بالحدود وحدها، بل بالأسباب التي جعلت كل هذا العدد مستعداً للرحيل.
ولعل هذا هو السؤال الذي لا يستطيع المغرب، اليوم، أن يتجاهله إذا أراد أن يفهم ما جرى في سبتة، وأن يمنع تكرار مثل هذه المآسي مستقبلاً.


إسحاق هموش صحفي وكاتب بلجيكي من أصل مغربي، صدر له عدد من المؤلفات والمقالات الفكرية، ويهتم بتحليل قضايا المجتمع، والحوكمة، والعلاقات الدولية، والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا