Homeالرأيروسيا وفرنسا وبريطانيا: هل تقترب الحرب؟ - بقلم إسحاق هموش

روسيا وفرنسا وبريطانيا: هل تقترب الحرب؟ – بقلم إسحاق هموش

تتصاعد المخاوف في أوروبا من انتقال المواجهة مع روسيا إلى مرحلة أكثر خطورة، في وقت بدأت فيه فرنسا والمملكة المتحدة رفع مستوى الاستعداد العسكري والأمني وتعزيز حماية المنشآت الحيوية. وقد ازدادت هذه المخاوف بعد اجتماع استثنائي عقده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رؤساء الأحزاب السياسية والمرشحين للانتخابات الرئاسية، بحضور مسؤولين عسكريين واستخباراتيين، لإطلاعهم على تطورات الحرب في أوكرانيا والتهديدات الروسية المحتملة ضد الدول الأوروبية. ولا يعني ذلك أن باريس أو لندن قررتا خوض حرب مباشرة ضد موسكو، لكنه يؤكد أن احتمال التصعيد لم يعد مستبعداً في الحسابات السياسية والعسكرية الأوروبية.

ماكرون يجمع رؤساء الأحزاب في الإليزيه

عقد إيمانويل ماكرون، في 18 سبتمبر 2026، اجتماعاً مغلقاً في قصر الإليزيه ضم رؤساء الأحزاب السياسية وعدداً من المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية. وجاء اللقاء في ظل ما وصفته الرئاسة الفرنسية بالتدهور المتسارع للوضع الدولي، ولا سيما الحرب الروسية في أوكرانيا وتزايد العمليات السيبرانية وأعمال التخريب واستخدام الطائرات المسيّرة في أوروبا. ووفق البيان الرسمي المنشور على موقع قصر الإليزيه، جدد الرئيس الفرنسي دعم بلاده لأوكرانيا، وطالب بتعزيز اليقظة وحماية البنية التحتية الحساسة والمواقع الاستراتيجية من الهجمات الإلكترونية والطائرات المسيّرة والتدخلات الأجنبية.

الاجتماع لم يكن إعلاناً للحرب على روسيا، بل جلسة إحاطة سياسية وأمنية هدفها إبلاغ قادة الأحزاب بطبيعة المعلومات التي تملكها الدولة الفرنسية. وقال ماكرون بعد الاجتماع إن التهديد الروسي الهجين ضد الأوروبيين وفرنسا ازداد خلال الأسابيع الأخيرة، وإن هذه العمليات تهدف، بحسب تقديره، إلى تخويف الدول الأوروبية ودفعها إلى التراجع عن دعم أوكرانيا. كما شدد على أن فرنسا لن تتخلى عن كييف بسبب هذه الضغوط، معلناً أنه طلب من الحكومة إعداد خطة إضافية لحماية المنشآت الحيوية والمواقع الدفاعية الحساسة.

ما المقصود بالحرب الهجينة الروسية؟

الحرب الهجينة لا تعني بالضرورة دخول الدبابات الروسية إلى الأراضي الفرنسية أو البريطانية. ويشمل هذا النوع من المواجهة الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل والتدخل في الانتخابات والتجسس وتخريب خطوط السكك الحديدية والمصانع وشبكات الطاقة والاتصالات، إضافة إلى إرسال طائرات مسيّرة بالقرب من المنشآت المدنية والعسكرية. وتتميز هذه العمليات بصعوبة تحديد الجهة المسؤولة عنها بسرعة، ما يسمح للدولة المتهمة بإنكار مسؤوليتها ويجعل الرد العسكري المباشر أكثر تعقيداً.

أفادت وكالة رويترز في تقريرها حول تصاعد التهديدات الروسية بأن ماكرون تحدث عن تكثيف هجمات سيبرانية وعمليات بطائرات مسيّرة تستهدف أوروبا وفرنسا. كما أشار إلى حوادث وقعت في دول أوروبية أخرى، ورأى فيها دليلاً على تغير طبيعة الخطر. وفي المقابل، لا تزال بعض الحوادث قيد التحقيق، ولم تنسب السلطات الفرنسية رسمياً كل عمل تخريبي أو حادث مشبوه وقع على أراضيها إلى روسيا. لذلك يجب التفريق بين العمليات التي ثبتت مسؤولية موسكو عنها وبين الشبهات أو التقديرات الاستخباراتية التي لم تُعلن أدلتها كاملة للرأي العام.

لماذا تخشى فرنسا من تصعيد روسي؟

ترى باريس أن روسيا لا تستخدم القوة العسكرية في أوكرانيا فقط، بل تحاول كذلك إضعاف الدول الأوروبية من الداخل وضرب ثقة المواطنين في المؤسسات العامة. ويمكن لهجوم إلكتروني واسع أن يعطل مستشفيات أو مطارات أو شبكات كهرباء، في حين يمكن لأعمال التخريب أو نشر الأخبار المضللة أن تثير الخوف والانقسام السياسي. ولهذا طلب ماكرون إعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمواقع العسكرية والصناعية الحساسة.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أوضح الرئيس الفرنسي أن بلاده تواجه خطراً متزايداً من أعمال تشمل التخريب والتضليل والهجمات الإلكترونية والتدخل في العمليات الديمقراطية. لكنه أكد في الوقت نفسه أن الهدف الفرنسي لا يتمثل في الدخول في حرب مباشرة مع روسيا. وتحتفظ باريس بقنوات اتصال مع موسكو، بينما تحاول دعم أوكرانيا وتعزيز الردع الأوروبي من دون تجاوز الخط الفاصل بين المساندة العسكرية لكييف والمشاركة المباشرة في الحرب.

الرسالة التي أراد ماكرون توجيهها إلى رؤساء الأحزاب تبدو مزدوجة. فمن جهة، تريد الرئاسة الفرنسية تنبيه القوى السياسية إلى أن التهديدات الأمنية قد تستمر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. ومن جهة أخرى، تريد باريس إظهار أن الانقسامات السياسية الداخلية لن تؤدي إلى وقف دعم أوكرانيا أو إضعاف الرد الفرنسي على العمليات التي تستهدف البلاد وحلفاءها.

بريطانيا تنتقل إلى مرحلة الاستعداد القتالي

المملكة المتحدة تتحرك في الاتجاه نفسه، لكنها تستخدم تعبيراً أكثر وضوحاً هو «الاستعداد لخوض الحرب» أو “Warfighting Readiness”. وتعتبر لندن أن روسيا تمثل التهديد الحكومي الأكثر إلحاحاً للأمن البريطاني والأوروبي. وتدعو المراجعة الاستراتيجية للدفاع البريطانية إلى بناء قوات مسلحة أكثر جاهزية، وزيادة مخزون الذخيرة، وتطوير الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والأسلحة بعيدة المدى، بالإضافة إلى تعزيز حماية الأراضي البريطانية.

وتشعر بريطانيا بقلق خاص من احتمال استهداف الكابلات البحرية التي تنقل جزءاً كبيراً من الاتصالات والبيانات الدولية، فضلاً عن خطوط الطاقة والمنشآت البحرية. كما تزيد البحرية الملكية مراقبتها للنشاط الروسي في المحيط الأطلسي وبحر الشمال، بينما تعمل الحكومة على رفع الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء قدرة البلاد على إنتاج الذخيرة والمتفجرات العسكرية. وهذه الإجراءات لا تعني أن لندن قررت مهاجمة روسيا، بل إنها تهدف رسمياً إلى جعل أي هجوم روسي مكلفاً وصعباً، وبالتالي ردع موسكو ومنع المواجهة قبل وقوعها.

وتشمل الخطط البريطانية أيضاً تطوير أسطول الغواصات وتحديث القوات الجوية وتوسيع استخدام الأنظمة العسكرية الذاتية. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن الجيوش الأوروبية تحتاج إلى كميات كبيرة من الذخيرة والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، وأن امتلاك معدات متطورة بأعداد محدودة قد لا يكون كافياً خلال حرب طويلة. لذلك تحاول لندن إعادة بناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على زيادة الإنتاج بسرعة في أوقات الأزمات.

تعاون عسكري متزايد بين فرنسا والمملكة المتحدة

تملك فرنسا والمملكة المتحدة أقوى القدرات العسكرية في أوروبا الغربية، كما أن الدولتين عضوان دائمان في مجلس الأمن وتمتلكان أسلحة نووية. وتؤدي باريس ولندن دوراً مهماً في دعم أوكرانيا وتدريب قواتها وتزويدها بالأسلحة والمعلومات. وفي مواجهة الخطر الروسي، ازداد التنسيق بين البلدين في مجالات الصواريخ بعيدة المدى والأمن البحري والدفاع الجوي وحماية المنشآت الحساسة.

وتسعى الدولتان أيضاً إلى تقليل اعتماد أوروبا الكامل على الولايات المتحدة في مجال الدفاع. فالتغيرات السياسية في واشنطن أثارت تساؤلات حول حجم الدعم العسكري الأميركي الذي سيبقى متاحاً للقارة الأوروبية مستقبلاً. ولذلك ترى فرنسا وبريطانيا أن أوروبا تحتاج إلى تطوير صناعتها الدفاعية وزيادة مخزونها من الأسلحة وتعزيز قدرتها على التحرك حتى في حال تراجع المشاركة الأميركية.

هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى مواجهة بين روسيا والناتو؟

يبقى خطر المواجهة المباشرة مرتبطاً بصورة أساسية بأي هجوم روسي على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي. وتنص المادة الخامسة من معاهدة الناتو على أن الاعتداء المسلح على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع أعضاء الحلف. وإذا تعرضت فرنسا أو المملكة المتحدة أو دولة أخرى في الحلف لهجوم عسكري واضح، يمكن للدول الأعضاء تقديم المساعدة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة.

لكن الخطر الأكثر تعقيداً يتمثل في الحوادث التي تبقى دون مستوى الهجوم العسكري التقليدي. فقد تدخل طائرة مسيّرة المجال الجوي لدولة عضو، أو تتعرض منشأة للطاقة للتخريب، أو يحدث هجوم إلكتروني واسع من دون إعلان الجهة المنفذة. في هذه الحالات، يصبح من الصعب تحديد ما إذا كان ينبغي تفعيل الدفاع الجماعي للناتو. وقد تحاول موسكو، وفق المخاوف الأوروبية، اختبار وحدة الحلف عبر عمليات محدودة أو قابلة للإنكار بدلاً من شن هجوم عسكري مباشر.

كما أن الخطأ في التقدير يمثل خطراً حقيقياً. فسقوط صاروخ داخل دولة مجاورة لأوكرانيا أو وقوع اشتباك بين طائرات روسية وأخرى تابعة للناتو يمكن أن يؤدي إلى تصعيد سريع، حتى إذا لم يكن أي من الطرفين يريد حرباً شاملة. ولذلك تسعى باريس ولندن إلى الجمع بين تعزيز القوة العسكرية والإبقاء على قنوات الاتصال الدبلوماسية.

هل تستعد أوروبا فعلاً للحرب؟

هناك فرق بين الاستعداد لاحتمال وقوع الحرب واتخاذ قرار بخوضها. فرنسا والمملكة المتحدة لا تعلنان عن خطط لبدء حرب ضد روسيا، لكنهما تريدان أن تكونا قادرتين على الدفاع عن أراضيهما وعن حلفائهما إذا اتسعت المواجهة. ويشمل هذا الاستعداد القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والشرطة والدفاع المدني وشركات الطاقة والاتصالات والمستشفيات ووسائل النقل.

كما تعمل الحكومات الأوروبية على زيادة وعي المواطنين بإمكانية حدوث أزمات تشمل انقطاع الكهرباء أو اضطراب الاتصالات أو نقص بعض المواد الأساسية. ولا يعني ذلك أن حرباً شاملة ستقع قريباً، لكنه يعكس انتقال أوروبا من مرحلة كانت تعتبر فيها الحرب الكبرى احتمالاً بعيداً إلى مرحلة تضع فيها هذا السيناريو ضمن خططها الرسمية.

باريس ولندن بين الردع وتجنب الحرب

ترى الحكومتان الفرنسية والبريطانية أن الاستعداد العسكري القوي يمكن أن يمنع الحرب، لأن إظهار القدرة على الرد قد يدفع الخصم إلى تجنب الهجوم. لكن موسكو تقدم تعزيز القوات الغربية وتسليح أوكرانيا على أنهما دليل على عداء أوروبا لروسيا. وهكذا يدخل الطرفان في دائرة خطرة: أوروبا تقول إنها تتسلح رداً على التهديد الروسي، بينما تقول روسيا إنها تعزز قواتها رداً على توسع الناتو ودعم الغرب لأوكرانيا.

وتواجه فرنسا والمملكة المتحدة تحديات مالية وعسكرية كبيرة. فرفع الإنفاق الدفاعي يعني تخصيص مليارات إضافية للجيوش والأسلحة والبنية التحتية الأمنية في وقت تعاني فيه الحكومات من ضغوط اقتصادية واجتماعية. كما أن إعادة بناء مصانع الذخيرة وتدريب الجنود وتطوير أنظمة الدفاع الجوي تحتاج إلى سنوات، وليس إلى بضعة أشهر فقط.

القول إن فرنسا وبريطانيا تستعدان لحرب مؤكدة ضد روسيا يبقى مبالغاً فيه. الأدق هو أن الدولتين تستعدان لاحتمال اتساع المواجهة، سواء عبر حرب هجينة أو هجمات إلكترونية أو أعمال تخريب أو اختبار عسكري محدود ضد إحدى دول الناتو. اجتماع ماكرون مع رؤساء الأحزاب كان رسالة تحذير سياسية وأمنية، وليس إعلان حرب. غير أن عقد اجتماع بهذا المستوى، بحضور مسؤولين عسكريين واستخباراتيين، يكشف أن باريس تتعامل مع التهديد بجدية متزايدة، وأن الخطر الروسي أصبح عاملاً رئيسياً في السياسات الدفاعية لكل من فرنسا والمملكة المتحدة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا