Homeالرأيإسحاق هموش: تونس تختنق تحت سلطة الرجل الواحد: هل بدأت النهاية السياسية...

إسحاق هموش: تونس تختنق تحت سلطة الرجل الواحد: هل بدأت النهاية السياسية لقيس سعيّد؟

لم تعد الأزمة التونسية في صيف 2026 مجرد خلاف سياسي بين رئيس ومعارضيه، ولا مجرد تعثر اقتصادي يمكن للسلطة أن تبرره بالإرث الثقيل للحكومات السابقة أو بالمؤامرات الخارجية. ما يحدث اليوم هو أزمة دولة دخلت مرحلة الإنهاك العميق: سلطة شديدة التركّز في يد رئيس واحد، مؤسسات فقدت جزءًا كبيرًا من استقلالها، معارضة مطاردة أو مسجونة أو مشتتة، مجتمع مدني يتعرض للتضييق، واقتصاد عاجز عن إنتاج الأمل أو توفير الحد الأدنى من الطمأنينة الاجتماعية. وفي الخامس والعشرين من يوليو/تموز 2026، بعد خمس سنوات كاملة من اليوم الذي جمّد فيه قيس سعيّد البرلمان وبدأ منه مسار الحكم الاستثنائي، عادت أصوات المحتجين إلى شوارع العاصمة وهي ترفع شعارات تطالب برحيله وبـ«إسقاط النظام». قد لا تكون هذه المظاهرات، بمفردها، كافية لإسقاط رئيس ما زال ممسكًا بأجهزة الدولة، لكنها تحمل دلالة سياسية شديدة الخطورة عليه: الرجل الذي وصل إلى قصر قرطاج مستندًا إلى الغضب الشعبي من الطبقة السياسية القديمة، أصبح اليوم نفسه هدفًا لغضب متزايد يرى أن كل السلطات التي جُمعت في يديه لم تنتج حلًا، وإنما أنتجت نظامًا أكثر انغلاقًا ودولة أكثر تعبًا.

كانت الحجة الأساسية التي قامت عليها تجربة قيس سعيّد بسيطة وقوية في آن واحد: النظام البرلماني فاسد، الأحزاب تآمرت على الشعب، المؤسسات تعطلت، والدولة لا يمكن إنقاذها إلا بكسر المنظومة القديمة وتجميع القرار في مركز واحد قادر على الفعل. وقد صدّق قطاع مهم من التونسيين هذه الرواية في البداية، لا حبًا في الحكم الفردي بالضرورة، بل يأسًا من عشر سنوات من الصراعات الحزبية والحكومات المتعاقبة والوعود المهدورة. غير أن مشكلة قيس سعيّد اليوم هي أنه حصل تقريبًا على كل ما طلبه من سلطات، ولم يعد قادرًا على القول إن البرلمان يمنعه، أو إن الأحزاب تعرقل قراراته، أو إن النظام الدستوري يقيّد حركته. لقد حلّ البرلمان، وحكم بالمراسيم، وأعاد صياغة الدستور، وغيّر قواعد اللعبة السياسية، وقلّص وزن الهيئات الوسيطة، ومدّ نفوذ الرئاسة إلى مساحات واسعة من الدولة. وهنا ينقلب منطقه عليه: عندما يحتكر الحاكم القرار، يحتكر معه المسؤولية. وبعد خمس سنوات، لم يعد السؤال هو لماذا فشلت المنظومة السابقة، وإنما ماذا فعل الرئيس بكل القوة التي جمعها بين يديه، ولماذا لم تتحول تلك القوة إلى تنمية أو وظائف أو إصلاح إداري أو عدالة اجتماعية أو ثقة عامة؟

إن أخطر ما يواجهه قيس سعيّد ليس وجود معارضة حزبية قوية، فالمعارضة ما زالت منقسمة، وبعض قادتها فقدوا ثقة قطاعات واسعة من التونسيين منذ ما قبل 2021. الخطر الحقيقي هو أن السلطة بدأت تفقد المبرر الأخلاقي الذي بنت عليه شرعيتها. فقد قدم سعيّد نفسه باعتباره الرجل النظيف الذي سيحمي الشعب من الفساد، ويعيد السيادة إلى الدولة، ويفتح الطريق أمام حكم القاعدة بدل حكم النخب. لكن الواقع الذي تشكل بعد ذلك أظهر نظامًا شديد المركزية، ضعيف المشاركة، تتحول فيه لغة التخوين والمؤامرة إلى بديل عن النقاش السياسي، بينما يُدفع خصوم من اتجاهات مختلفة إلى المحاكم والسجون. تقارير حقوقية حديثة تتحدث عن تدهور حاد في أوضاع الحقوق والحريات، واستهداف معارضين وصحافيين ومحامين ونشطاء ومنظمات مستقلة، في حين تؤكد السلطات عادة أنها تطبق القانون وتحمي الدولة من المتآمرين. غير أن اتساع دائرة المستهدفين يجعل رواية «المؤامرة» أقل إقناعًا بمرور الوقت؛ فعندما يصبح السياسي والنقابي والمحامي والصحافي والناشط الحقوقي جميعًا موضع اشتباه، تبدأ الدولة في الظهور وكأنها لا تحارب مؤامرة محددة، بل تحارب كل مساحة مستقلة لا تخضع لخطابها.

لقد كان اعتقال المعارضين ومحاكمتهم أحد الأعمدة التي سمحت للرئيس بإفراغ الساحة السياسية من خصوم قادرين على منافسته، لكنه في الوقت نفسه صنع مشكلة أخرى لا تقل خطورة: لقد ألغى السياسة دون أن يلغي أسباب الغضب. يمكن للسلطة أن تضع زعيمًا حزبيًا في السجن، وأن تمنع معارضًا من الترشح، وأن تضيق على جمعية أو صحيفة، لكنها لا تستطيع أن تعتقل التضخم أو البطالة أو الفقر أو تدهور المرافق العامة. ولا يمكنها أن تحاكم الإحباط الذي يسكن عائلات لم يعد أبناؤها يرون مستقبلًا داخل البلاد. وقد شهد عام 2026 أحكامًا ثقيلة وإجراءات متزايدة ضد شخصيات سياسية وحقوقية، منها الحكم على عبير موسي بعشر سنوات في قضية انتقدت منظمات حقوقية مسارها، فضلًا عن أحكام أخرى ضد ناشطين وشخصيات من المجتمع المدني. هذه السياسة قد تمنح النظام هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تمنحه استقرارًا حقيقيًا؛ لأن الاستقرار المبني على إغلاق المجال العام يظل مرتبطًا بقدرة الدولة على منع الغضب من التعبير عن نفسه، لا بقدرتها على معالجة جذوره.

أما الاقتصاد، فهو المكان الذي تفشل فيه الخطابات الكبرى عادة، لأن المواطن لا يشتري حاجاته بالشعارات ولا يدفع فواتيره بنظريات السيادة الوطنية. صحيح أن بعض المؤشرات الكلية لا تعني انهيارًا اقتصاديًا شاملًا وفوريًا؛ فصندوق النقد الدولي يتوقع نموًا حقيقيًا بنحو 2.1 بالمئة خلال 2026، بينما تشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية إلى تراجع نسبي في التضخم واستقرار الدين العام عند مستويات مرتفعة. لكن هذه الأرقام، حتى عندما تبدو أقل سوءًا، لا تصنع وحدها شعورًا بالتحسن. البطالة بقيت مرتفعة، ووصلت وفق البنك الإفريقي للتنمية إلى 15.2 بالمئة في الربع الأخير من 2025، بينما بلغت بطالة الشباب نحو 38.4 بالمئة، وارتفعت بصورة خاصة بين النساء وخريجي الجامعات. وهذه ليست أرقامًا تقنية معزولة، بل هي وصف لمجتمع كامل يشعر بأن التعليم لم يعد طريقًا مضمونًا إلى العمل، وأن الدولة لم تعد قادرة على تقديم وعد اجتماعي مقنع، وأن الهجرة ــ القانونية أو غير القانونية ــ أصبحت في ذهن كثيرين مشروع النجاة الوحيد.

ومن هنا يمكن فهم المعنى العميق لشعار رُفع في احتجاجات مايو/أيار 2026: «الشعب جائع والسجون ممتلئة». فهذه العبارة تختصر المأزق كله؛ إنها تجمع بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية في جملة واحدة. النظام يقول إنه ينقذ الدولة من أعدائها، بينما يقول المحتجون إن الدولة تعاقب منتقديها بدل أن تطعم شعبها. النظام يتحدث عن السيادة الوطنية، بينما يتحدث المواطن عن ارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد والأدوية وتراجع جودة الخدمات. النظام يطلب مزيدًا من الوقت، بينما مرت خمس سنوات على بداية التدابير الاستثنائية، وهي مدة كافية لكي ينتقل المشروع من مرحلة الوعود إلى مرحلة المحاسبة. وفي الأنظمة التي تتركز فيها السلطة، يصبح الزمن عدوًا للحاكم؛ لأن كل سنة تمر دون إنجاز حقيقي تسحب من رصيده جزءًا من الحجة التي جاء بها، وتحول الزعامة من رمز للخلاص إلى عنوان للمشكلة. وقد وثقت احتجاجات مايو اتهامات مباشرة لسعيّد بتقويض الحريات والفشل في وقف التدهور الاجتماعي، في وقت تحدث فيه المحتجون عن الاعتقالات وتراجع الخدمات والضغوط المعيشية.

هل يعني هذا أن نهاية قيس سعيّد أصبحت قريبة أو حتمية؟ الجواب الجاد هو: ليس بالضرورة. فالأنظمة لا تسقط لمجرد أنها تفشل اقتصاديًا أو تفقد جزءًا من شعبيتها، ولا تكفي المظاهرات مهما كانت رمزية إذا ظلت محدودة أو متقطعة أو بلا قيادة سياسية واجتماعية قادرة على تحويل الاحتجاج إلى ميزان قوى جديد. ما زال الرئيس يملك موقعًا مؤسساتيًا قويًا، وما زالت المعارضة تعاني من الانقسام ومن إرث سياسي ثقيل جعل جزءًا من المجتمع يرفض العودة إلى منظومة ما قبل 25 يوليو. كما لا توجد، وفق المعلومات العلنية المتاحة، علامات حاسمة على انشقاق داخل أجهزة الدولة أو على وجود بديل سياسي موحد يفرض انتقالًا قريبًا للسلطة. لذلك فإن الحديث عن «سقوط وشيك» سيكون أقرب إلى الرغبة منه إلى التحليل. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن السيطرة على المؤسسات تعني أن النظام في مأمن. فثمة فرق بين نظام يملك أدوات القوة ونظام يملك مستقبلًا سياسيًا. قد يستطيع سعيّد البقاء، لكنه قد يبقى فوق أرض تتآكل شرعيته فيها ببطء، ويصبح بقاؤه نفسه مرهونًا بالمزيد من الضغط والقمع والإنكار.

المشكلة الكبرى التي يواجهها خصوم الرئيس هي أنهم لم ينجحوا بعد في تحويل رفض سعيّد إلى مشروع وطني بديل. فالتونسيون الذين غضبوا من منظومة ما بعد الثورة لم ينسوا فسادها وصراعاتها وعجزها، وليس من الواقعي مطالبتهم بالعودة إليها كما لو أن شيئًا لم يحدث. كما أن جمع الإسلاميين والدستوريين واليساريين والليبراليين والنقابيين في جبهة واحدة لا يصنع تلقائيًا بديلًا متماسكًا؛ إذ تختلف هذه القوى حول الدولة والاقتصاد والهوية والديمقراطية وموقع حركة النهضة ومستقبل النظام السياسي. ولذلك يستفيد سعيّد من خوف قطاع من التونسيين من المجهول، ومن ضعف الثقة في الأحزاب، ومن غياب شخصية أو تحالف قادر على القول للناس بوضوح: ماذا سيحدث في اليوم التالي لخروج الرئيس؟ من سيحكم؟ وبأي دستور؟ وكيف ستُدار الأزمة الاقتصادية؟ وكيف ستُمنع عودة الفوضى والمحاصصة؟ ما لم تجد المعارضة أجوبة مقنعة عن هذه الأسئلة، سيظل الرئيس قادرًا على تقديم نفسه باعتباره الخيار السيئ الوحيد في مواجهة بدائل أكثر سوءًا أو أكثر غموضًا.

لكن التاريخ السياسي يعلمنا أيضًا أن البدائل لا تتشكل دائمًا قبل الأزمات؛ أحيانًا تولد داخلها. وكلما اتسعت الفجوة بين القصر والشارع، وكلما أصبحت مؤسسات الدولة عاجزة عن امتصاص الغضب، يمكن أن تظهر تحالفات لم تكن ممكنة في السابق. وقد يأتي التهديد الجدي للرئيس ليس من الأحزاب التقليدية، بل من التقاء ثلاثة مسارات: غضب اجتماعي واسع بسبب المعيشة، وحركة نقابية أو مهنية قادرة على التنظيم، وتصدع داخل النخبة الحاكمة أو أجهزة الدولة. في هذه الحالة فقط ينتقل الاحتجاج من التعبير الأخلاقي إلى القوة السياسية. أما إذا بقيت المظاهرات موسمية، وظلت المعارضة متنازعة، واستمرت المؤسسات الأمنية والإدارية في تماسكها، فقد يطول عمر النظام رغم تراجع شعبيته. لذلك فإن السؤال ليس فقط: كم عدد الذين يرفضون قيس سعيّد؟ بل: هل يستطيع هؤلاء بناء قوة منظمة، وصياغة قيادة، وتقديم بديل، وإقناع المترددين بأن التغيير لن يعيد البلاد إلى الفوضى؟

ومع ذلك، يمكن القول إن «نهاية قيس سعيّد» قد تكون بدأت بمعنى مختلف عن السقوط المباشر. لقد بدأت نهاية صورته القديمة: صورة الأستاذ الدستوري النزيه الذي يقف وحيدًا في مواجهة المنظومة، وصورة المنقذ الذي يحتاج فقط إلى سلطات أوسع لكي يصلح البلاد، وصورة الرئيس الذي يحتفظ بعلاقة شبه مباشرة ونقية مع الشعب في مواجهة الأحزاب والنخب. هذه الصورة أصيبت بتصدعات عميقة، لأن سنوات الحكم حولت سعيّد من ناقد للدولة إلى المسؤول الأول عنها، ومن معارض للمنظومة إلى صانع منظومة جديدة، ومن رجل يعد بالمحاسبة إلى حاكم يُطالب اليوم بتقديم حصيلة. وربما يستطيع النظام الاستمرار سنوات أخرى، لكن المشروع الذي تأسس على الأمل في الخلاص الفردي أصبح أضعف بكثير. فالناس قد تصبر على الفقر عندما تؤمن بأن المستقبل سيتحسن، وقد تتحمل الإجراءات الاستثنائية عندما تراها جسرًا مؤقتًا نحو الاستقرار، لكنها تبدأ في التمرد عندما يتحول الاستثناء إلى نظام دائم، وعندما يصبح التقشف بلا أفق، والصمت بلا مقابل، والخوف بلا نهاية.

إن تونس اليوم لا تقف بالضرورة على أبواب ثورة جديدة، لكنها تقف أمام انسداد تاريخي واضح. العودة إلى ما قبل 25 يوليو تبدو مستحيلة، واستمرار الحكم بالطريقة نفسها يبدو مكلفًا وخطيرًا، بينما لم يولد البديل بعد. وقد يختار قيس سعيّد فتح المجال أمام مصالحة سياسية وإطلاق سراح المعارضين وإعادة بناء استقلال القضاء وإشراك القوى الاجتماعية في برنامج إنقاذ اقتصادي، لكن هذا المسار يتطلب منه التراجع عن الفكرة التي حكم بها حتى الآن: أن الرئيس وحده يمتلك الحقيقة، وأن كل اعتراض هو جزء من مؤامرة. أما إذا استمر في إدارة البلاد بالخطاب نفسه، وفي اعتبار النقد خيانة، والمؤسسات المستقلة خطرًا، والمعارضة ملفًا أمنيًا، فإن النظام قد يربح الوقت لكنه سيخسر الدولة تدريجيًا. فالسلطة تستطيع تأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع إلى الأبد إلغاء الأسباب التي تصنعه.

في النهاية، ليست المسألة ما إذا كان قيس سعيّد سيغادر قصر قرطاج غدًا أو بعد سنوات، بل ما إذا كان نظامه ما زال قادرًا على إنتاج معنى سياسي يقنع به التونسيين. وحتى اليوم، يبدو أن هذا المعنى يتآكل بسرعة. لقد وعد الرجل بأن يعيد للشعب سلطته، فإذا بالشعب يجد نفسه أمام دولة أقل تعددية، واقتصاد لم يتحرر من أزماته، ومجال عام يضيق يومًا بعد يوم. ووعد بتطهير البلاد من الفساد، لكن تركيز السلطة لم يتحول إلى كفاءة. ووعد بجمهورية جديدة، إلا أن هذه الجمهورية تبدو لكثيرين بلا توازن مؤسساتي، وبلا أفق اقتصادي، وبلا قدرة على احتواء المختلفين. لهذا قد لا تكون تونس قد دخلت بعد مرحلة سقوط قيس سعيّد، لكنها دخلت بالتأكيد مرحلة سقوط الرواية التي أوصلته إلى الحكم. وحين تسقط رواية النظام، يبدأ العد التنازلي السياسي، حتى وإن بقي موعد النهاية مجهولًا.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا