اسحاق هموش،
عندما يتحدث الباحثون في العلاقات الدولية اليوم عن موازين القوى في الشرق الأوسط، فإنهم لم يعودوا يعتمدون المعايير التقليدية التي هيمنت لعقود طويلة، مثل المساحة الجغرافية أو عدد السكان أو حجم الاحتياطات النفطية. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة، ثم دخل مرحلة جديدة مع الثورة الرقمية والتنافس الأمريكي–الصيني، فرض تعريفاً مختلفاً للقوة. أصبحت الدولة القادرة على التأثير في القرار الدولي، وجذب الاستثمارات، وامتلاك التكنولوجيا، وبناء شبكات اقتصادية وأمنية عابرة للقارات، أكثر حضوراً من دول تفوقها مساحة وسكاناً وموارد. ومن هذا المنظور، يرى عدد متزايد من الباحثين أن التجربة الإماراتية تستحق التوقف عندها، لأنها تمثل واحدة من أكثر التجارب تحولاً في المنطقة خلال العقدين الأخيرين.
قبل أقل من عشرين عاماً، كانت الإمارات تُصنف في معظم التقارير الدولية باعتبارها اقتصاداً خليجياً ناجحاً يعتمد على النفط والتجارة والخدمات اللوجستية. أما اليوم، فقد أصبحت أبوظبي ودبي حاضرتين في النقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وأمن سلاسل الإمداد، والطاقة النظيفة، والاستثمارات السيادية، والدبلوماسية الوقائية، والوساطات الدولية، والاقتصاد الرقمي. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، ولم يكن نتيجة ارتفاع أسعار النفط، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية قامت على فكرة بسيطة ولكنها عميقة: أن الثروة الطبيعية وحدها لا تضمن النفوذ، وأن المستقبل سيكون للدول التي تستثمر في المعرفة والمؤسسات والشراكات الدولية.
هذه الرؤية بدأت تتبلور منذ سنوات، لكنها اكتسبت زخماً أكبر مع صعود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي تبنى نهجاً يقوم على بناء الدولة من الداخل، بالتوازي مع توسيع حضورها في الخارج. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة الموارد النفطية، ركزت الإمارات على إنشاء بيئة اقتصادية تنافسية، واستقطاب الكفاءات، وتطوير البنية التحتية، وتحديث التشريعات، وإنشاء صناديق سيادية أصبحت من بين الأكثر تأثيراً في العالم. واليوم، لا يقتصر حضور الإمارات في الاقتصاد العالمي على تصدير النفط، بل يمتد إلى الاستثمار في التكنولوجيا، والموانئ، والطيران، والخدمات المالية، والصناعات المتقدمة، وهو ما منحها أدوات تأثير تتجاوز حدودها الجغرافية.
لقد أدركت القيادة الإماراتية في وقت مبكر أن العالم يتجه نحو منافسة من نوع جديد. فالقرن الحادي والعشرون لن تحسمه فقط أسعار النفط أو حجم الجيوش، بل ستحسمه أيضاً القدرة على امتلاك البيانات، والحوسبة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والبنية الرقمية. ولهذا السبب، لم يكن من قبيل المصادفة أن تستثمر أبوظبي في شركات التكنولوجيا العالمية، وأن تعقد شراكات مع كبرى المؤسسات الأمريكية والأوروبية والآسيوية، وأن تعمل على تطوير منظومة وطنية للابتكار. ويرى خبراء أن هذا التوجه منح الإمارات موقعاً متقدماً في سباق الاقتصاد المعرفي، وهو سباق قد يكون أكثر تأثيراً في العقود المقبلة من المنافسة التقليدية على الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان بوصفه أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في هندسة هذا التحول. فالرجل يجمع بين ملفات الأمن القومي والاستثمار والتكنولوجيا، وهي مجالات أصبحت مترابطة في عالم اليوم. فالأمن لم يعد يُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على حماية بياناتها، وتأمين سلاسل الإمداد، وضمان الوصول إلى التقنيات الحساسة، وجذب الاستثمارات التي تعزز استقلالها الاقتصادي. ومن هنا، يرى عدد من المحللين أن الدور الذي يلعبه الشيخ طحنون يعكس انتقال الإمارات من مفهوم الأمن التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل، الذي يربط بين الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الخارجية.
في المقابل، تعيش المملكة العربية السعودية مرحلة تحول اقتصادي عميق من خلال “رؤية 2030″، وهي مشروع طموح يهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. وقد حققت الرياض تقدماً ملحوظاً في عدد من القطاعات، كما أطلقت مشاريع ضخمة غير مسبوقة. إلا أن حجم هذه المشاريع وتعقيدها يجعلان تنفيذها عملية طويلة تواجه تحديات طبيعية تتعلق بالتمويل، وجذب الاستثمارات، وتغير الظروف الاقتصادية العالمية. ومن هنا، يرى بعض المحللين أن التقارب المستمر مع الإمارات لا ينبغي تفسيره على أنه تعبير عن ضعف طرف أو قوة طرف آخر، بل باعتباره إدراكاً متبادلاً بأن استقرار الخليج ونجاح مشروعاته الكبرى يتطلبان تعاوناً وثيقاً بين أكبر اقتصادين في المنطقة، مع استمرار المنافسة الاقتصادية المشروعة بينهما.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الإمارات استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تبني شبكة علاقات دولية استثنائية. فهي تحتفظ بتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه طورت تعاوناً اقتصادياً واسعاً مع الصين، وعززت شراكاتها مع الهند والاتحاد الأوروبي، كما وسعت حضورها في أفريقيا وآسيا من خلال الاستثمارات والموانئ والطاقة. هذا التنوع في العلاقات منح أبوظبي قدرة على التحرك في بيئة دولية تتسم بالاستقطاب، دون أن تحصر نفسها في محور واحد، وهو ما يعتبره كثير من الباحثين أحد أهم عناصر القوة الإماراتية في المرحلة الراهنة.
وتنعكس هذه السياسة أيضاً في الحضور المتزايد للإمارات في ملفات الوساطة الدولية. فخلال السنوات الأخيرة، لعبت أبوظبي أدواراً في عدد من المبادرات الإنسانية والدبلوماسية، واستضافت مؤتمرات دولية كبرى، وسعت إلى تقديم نفسها بوصفها منصة للحوار والتواصل بين القوى المختلفة. ومهما اختلفت التقييمات حول نتائج بعض هذه المبادرات، فإن الثابت هو أن الإمارات أصبحت حاضرة في ملفات كانت حتى وقت قريب حكراً على قوى أكبر منها حجماً.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعني ذلك أن الإمارات أصبحت القوة الأولى في الخليج؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فالسعودية لا تزال تمتلك عناصر قوة استراتيجية هائلة، تشمل أكبر اقتصاد عربي، وثقلاً سكانياً وسياسياً ودينياً، وقدرات مالية كبيرة. لكن ما تغير، وفق قراءة عدد من الباحثين، هو أن الإمارات نجحت في تقليص الفجوة التقليدية في النفوذ من خلال الاستثمار في أدوات القوة الحديثة، بحيث بات من الصعب تصور أي معادلة إقليمية أو مشروع اقتصادي خليجي أو مبادرة تكنولوجية كبرى من دون حضور إماراتي فاعل.
ولعل أهم ما يميز التجربة الإماراتية أنها لم تراهن على ردود الفعل، بل على استباق التحولات. فعندما بدأ العالم يتحدث عن الاقتصاد الرقمي، كانت الإمارات قد شرعت في بناء منظومته. وعندما أصبحت الاستدامة والطاقة النظيفة جزءاً من الاقتصاد العالمي، كانت قد استثمرت فيهما. وعندما تحول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، سعت إلى أن تكون شريكاً في هذا السباق، لا مجرد متلقٍ لنتائجه. هذه القدرة على قراءة التحولات مبكراً هي، في نظر كثير من الخبراء، أحد أهم أسرار نجاح النموذج الإماراتي.
إن العلاقات الإماراتية السعودية ستظل، على الأرجح، إحدى الركائز الأساسية لاستقرار الخليج، لأن مصالح البلدين تتقاطع في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد. لكن هذه العلاقة لم تعد تقوم على المفاهيم التقليدية ذاتها، بل على واقع جديد أصبحت فيه أدوات النفوذ أكثر تنوعاً وتعقيداً. وفي هذا الواقع، تبدو الإمارات، وفق تقديرات العديد من المحللين، دولة نجحت في تحويل محدودية الجغرافيا إلى اتساع في التأثير، وصغر عدد السكان إلى مرونة في اتخاذ القرار، والموارد المالية إلى نفوذ اقتصادي ودبلوماسي عابر للحدود.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والباحثين لم يعد: كيف أصبحت الإمارات مؤثرة؟ بل أصبح: كيف استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً أن تعيد تعريف مفهوم القوة في الخليج، وأن تتحول من دولة ناجحة اقتصادياً إلى لاعب لا يمكن تجاهله في الحسابات الإقليمية والدولية؟ وربما تكون الإجابة في أن أبوظبي لم تراهن على عامل واحد، بل بنت مشروعها على توازن دقيق بين الاقتصاد، والدبلوماسية، والأمن، والابتكار، وهو توازن جعلها، في نظر كثير من المراقبين، أحد أبرز النماذج السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير.


