Homeالرأيلماذا نُضيّق معنى النجاح؟

لماذا نُضيّق معنى النجاح؟

بعد نيل الاستقلال اتخذت مسألة التعليم موقعًا مركزيًا في مشاريع التنمية لدى معظم البلدان العربية والإسلامية. سعت الدول إلى بناء أنظمة تعليمية قادرة على نشر المعرفة وتعزيز الهوية الوطنية وتوفير كوادر للعمل في مؤسسات الدولة، فشُيِّدت مدارس وجامعات وتوسعت معدلات الالتحاق بأساسيات التعليم بعيدا عن التجارب الاستعمارية. كل دولة خاضت تجربتها وفق ظروف داخلية متقاربة من حيث التركيز على التعليم كرافد أساسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

لكن توجه البناء التعليمي في كثير من هذه الدول سادته فكرة ضيقة لقياس النجاح، تجاهلت أحيانًا تنوع المسارات المهنية والمهارات العملية. تحولت الشهادات إلى مؤشر مهيمن للنجاح الاجتماعي والاقتصادي، بينما تراجعت مكانة التدريب المهني والفني والمهارات التطبيقية. لم يقتصر التأثير على المؤسسات التعليمية فحسب، بل امتد إلى الثقافة العامة التي باتت تقيم الأفراد على أساس مستوى التحصيل الدراسي والوظيفة التي يشغلونها.

نتيجة لذلك نشأت فجوات بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وتكاثرت حالات البطالة بين الحاصلين على شهادات عليا في مقابل نقص في العمالة الماهرة في قطاعات تقنية وحرفية. ومع تضخم الطلب على الوظيفة الحكومية كرمز للأمان والمكانة الاجتماعية، ظهر تزايد الضغط على التعليم الرسمي وتحول جزء من الجهد التعليمي إلى استراتيجيات للتنافس على الامتحانات بدلاً من اكتساب مهارات قابلة للتطبيق. كما برزت آثار اجتماعية تتعلق بحركية المجتمعات، وتوزع الفرص بين الحضر والريف، وميول الهجرة نحو الأسواق التي توفر مسارات مهنية أكثر تنوعًا.

من هذا السياق يصبح فهم أبعاد قضية تحديد معنى النجاح أمرًا ذا أهمية عملية. يبرز الحاجة إلى رؤية أوسع للتعليم تتجاوز الشهادة إلى الاعتراف بالمهارات والابتكار والعمل الحكيم على تيسير توافق أفضل بين مؤسسات التعليم وواقع سوق العمل. كما يقتضي الحوار العام والممارسات السياسية أن تعيد ترتيب الأولويات بين التربية الأكاديمية والتدريب التقني والمهارات الحياتية، كي لا يبقى مقياس النجاح محصورًا في صيغة واحدة لا تعبّر عن تنوع قدرات المجتمع واحتياجاته المتجددة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا