متى «أوديسة» العرب؟ سؤال يستحضر صورة ملحمة إغريقية قديمة، كُتبت قبل نحو ثلاثة آلاف عام على يد شاعر مجهول يمثل إما فردًا أو تقليدًا جماعيًا، وحملت حكاية مركّبة مليئة بالأحداث والرموز. إن المقارنة لا تهدف إلى محاكاة حرفية، بل إلى استكشاف حاجة ثقافية لسرد طويل ومشترك يستطيع أن يعكس تجارب الشعوب والمجتمعات العربية على امتداد الزمان والمكان.
تمتلك الثقافة العربية مخزونًا سرديًا وشعريًا واسعًا: من المعلقات في العصور الجاهلية إلى الملحميّات الشفوية كـالسيرة الهلالية والتقاليد الشعبية المتنوّعة. لكن هذا الغنى لم يتبلور في عمل سردي موحد يحقق نفوذًا جماعيًا على مستوى العالم العربي. عوامل عدة تفسّر ذلك؛ بينها التباين اللغوي واللهجات، وتقسّم الساحة إلى دول قومية وحدود سياسية أثّرت في تداول النصوص والقصص، بالإضافة إلى تحوّلات الوسائط الثقافية من شفهي إلى مطبوع وإلى مرئي ومسموع.
أهمية وجود ملحمة معاصرة ليست فنية فحسب، بل تتصل ببناء ذاكرة مشتركة وقِيمٍ سردية تجمع الجمهور وتطرح أسئلة حول الهوية والذاكرة والرحلة الإنسانية. في عصر العولمة ووسائل التواصل، تتوفر اليوم منصات قادرة على نقل سرد طويل عبر أجيال ومناطق، من الرواية الطويلة إلى السلسلات التلفزيونية والرقمية. ومع ذلك، يبقى الخطر في تسييس أو تسليع أي مشروع سردي طموح، ما قد يقوّض قدرته على أن يصبح مرجعًا ثقافيًا حقيقيًا للمتلقّي.
ليس المطلوب تقليد نموذج أجنبي بل استثمار الأدب الشفهي والتراث والخيال المعاصر لصياغة نصوص سردية قادرة على تجاوز الانقسامات. يتطلب ذلك تعاونًا بين المبدعين والمؤسسات الثقافية والأكاديمية ودعم إنتاجات فنية متعدّدة الوسائط، إلى جانب سياسات تحفّز الترجمة والنشر والتبادل بين الدول العربية. عندها قد يُفهم السؤال عن «أوديسة» العرب كدعوة لبناء سردٍ طويل يعبّر عن تجارب مشتركة ويتيح للجمهور العربي أن يرى نفسه ضمن حكاية عابرة للحدود والأزمنة.

