منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أصبح العنف شبه يومي في الضفة الغربية المحتلة، لكن أحداث الجمعة الماضية قد تشكل منعطفا جديدا. فقد اقتحم مستوطنون إسرائيليون قرية “تل”، قرب نابلس، ما أدى إلى اندلاع مواجهات أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين.
وعقب ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي استعداده لتنفيذ “عملية واسعة لمكافحة الإرهاب” في الضفة الغربية المحتلة. وفي ليلة السبت/الأحد، تعرض مسجدان، في قريتي قصرة جنوب نابلس وكور قرب طولكرم شمال غربي الضفة، للحرق وكتابة عبارات عنصرية على جدرانهما.


دعوات إلى رد عسكري واسع
ودعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في منشور على منصة إكس إلى قصف ما وصفها بأنها “منازل الإرهابيين” من الجو، متوعدا بأن يتم التعامل مع قرى الفلسطينيين كما جرى التعامل مع مناطق في قطاع غزة.
ويرى غاي بوران، الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي وأحد وجوه المعارضة، أن “حكومة بنيامين نتانياهو لم تكن بالضرورة وراء اندلاع المواجهات، لكنها، تملك مصلحة في زيادة التوتر في الضفة الغربية”.
بالنسبة إلى نتانياهو، تأتي هذه التطورات في توقيت حساس. فالانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول ستكون اختبارا سياسيا مهما لرئيس الوزراء الذي أمضى ما يقارب 19 عاما في السلطة، على ثلاث فترات.
ويواجه نتانياهو ضغوطا سياسية وقضائية عدة، من بينها محاكمته في قضايا فساد، فضلا عن الانتقادات التي طالته بسبب الإخفاقات التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر.
تحويل الأمن إلى محور للحملة الانتخابية
خاضت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة عدة حروب وصراعات، من بينها الحرب في غزة ومواجهات مع إيران ولبنان وتدخل عسكري في سوريا حيث استولت على ما تبقى من هضبة الجولان. ويوضح دينيس شاربيت، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة في إسرائيل، قائلا: “في نظر الإسرائيليين، لا تعد هذه الحروب انتصارات كاملة ولا هزائم ساحقة، بل هي نجاح جزئي، أو فشل نسبي، أو أيا كان الوصف الذي تفضله”.
ويضيف شاربيت، وهو فرنسي إسرائيلي: “مع ذلك، فإن تعزيز جبهة الضفة الغربية خلال فترة الانتخابات قد يكون دائما عاملا محفزا لنتانياهو: فالبلاد في خطر، والخطر محدق بنا. هذا ما يُسمى بالتجمع تحت الراية. وقد نجح هذا الأسلوب في كثير من الأحيان، ولكنه يبقى مجرد حسابات، ولا يوجد ما يضمن النجاح أبدا”.
ويمكن أن يمنحه هذا الحساب ميزة ملموسة. ويشير عالم السياسة إلى أنه “إذا لم تتصدر قضايا الحملة الانتخابية عناوين الأخبار بين الآن وأكتوبر/تشرين الأول المقبل، بل العمليات في الضفة الغربية، فسيكون ذلك في مصلحته: ستجرى معه المقابلات بصفته رئيسا للوزراء، وليس كمرشح – وهو وقت للتحدث لا يخضع لمعايير الإنصاف المفروضة على المرشحين خلال فترة الانتخابات”.
هل تشجع الحكومة عنف المستوطنين؟
يثير دور المستوطنين الإسرائيليين في أعمال العنف تساؤلات متزايدة. فبحسب مسؤولين عسكريين إسرائيليين نقلت عنهم صحيفة “هآرتس”، فإن الحكومة تسعى إلى “تشجيع المستوطنين على تصعيد أعمال العنف” في الضفة الغربية.
وقال جنود احتياط للصحيفة إنهم يُرسلون “للتعامل مع أحداث عنيفة بأعداد غير كافية، في مواجهة مجموعات قد تضم عشرات أو حتى مئات الإسرائيليين المشاركين في أعمال الشغب”.
لكن غاي بوران يرى أن المشكلة لا تتعلق بنقص القوات. ويشير إلى وجود 24 كتيبة عسكرية في الضفة الغربية، معتبرا أن المسألة تتعلق أساسا بـ”الإرادة السياسية” لإرسال هذه القوات للتعامل مع عنف المستوطنين.
وبحسب حصيلة أعدتها وكالة الأنباء الفرنسية استنادا إلى بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل ما لا يقل عن 1094 فلسطينيا، من مقاتلين ومدنيين، على أيدي جنود أو مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في المقابل، قُتل 48 إسرائيليا، من مدنيين وعسكريين، في هجمات فلسطينية أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية، وفق السلطات الإسرائيلية.
تسريع الاستيطان
أعلن بنيامين نتانياهو أيضا عن تسريع إجراءات “شرعنة” عدد من البؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية. وتعتبر غالبية المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي.
ويشير دينيس شاربيت إلى أن 500 ألف مستوطن يعيشون في الضفة الغربية – بطريقة غير قانونية مماثلة – يمثلون عدد من الناخبين “ليس بالهين”.
لكن هذه السياسة تضع حزب الليكود، الذي يتزعمه نتانياهو، أمام معادلة معقدة. ويقول شاريبيت: “بالنسبة لهذا الحزب، تُعطى سلطة الجيش الأولوية على رغبات المستوطنين. إنهم يؤيدون النشاط الاستيطاني، لكنهم يرفضون الحملات العقابية، ليس بدافع حبهم للفلسطينيين، بل لأن الأولوية يجب أن تعطى للجيش. إن تحدي السلطة العسكرية أمر غير مقبول لدى الناخب العادي لحزب الليكود”.
حزب الليكود، وهو حزب يمين الوسط تأسس في سبعينيات القرن الماضي، ذو ميول قومية، روّج في البداية لرؤية ليبرالية للمجتمع. لكن هذه الرؤية تلاشت في عام 2022: إذ هزم بنيامين نتانياهو مرشح الوسط يائير لابيد ليقود أكثر ائتلاف يميني في تاريخ إسرائيل، والذي يدرس مقترح إدخال تماسيح النيل إلى سجن كتسيئوت في النقب، الذي يضم سجناء فلسطينيين.
ويقول دينيس شاربيت: “لقد قطع حزب الليكود صلته بالليبرالية منذ زمن بعيد، ولم يعد يُقدّم نفسه كحزب ليبرالي بأي شكل من الأشكال”.
ائتلاف حكومي يواجه ضغوطا
لكن الضفة الغربية ليست القضية الوحيدة التي ستؤثر في الانتخابات المقبلة.
ففي الأيام التي سبقت حل الكنيست في 17 يوليو/تموز، أقرت الحكومة سلسلة من القوانين والإجراءات المثيرة للجدل، من بينها إصلاح يحد من بعض صلاحيات المدعية العامة، وتشديد سيطرة السلطة التنفيذية على وسائل الإعلام، وإجراءات لصالح اليهود الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية، إضافة إلى قانون أساسي يمنح دراسة التوراة مكانة محورية ضمن قيم الدولة.
ويرى دينيس شاريبيت أن هذه الإجراءات تخدم استراتيجية انتخابية واضحة. فإن هذا التشديد التشريعي في اللحظة الأخيرة يتبع، بالنسبة لبنيامين نتانياهو، “منطقا بسيطا للغاية”، كما يخلص دينيس شاربيت، “ليقول لناخبيه: انظروا، لم نلتزم الصمت، لقد مررنا القوانين” وبالتالي تعزيز كتلته.
لكن الحكومة تواجه في الوقت نفسه ملفات صعبة، بينها الخلاف حول تجنيد اليهود الأرثوذكس المتشددين في الجيش، والأزمة الاقتصادية في شمال إسرائيل، وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلا عن الجدل المستمر حول طبيعة المؤسسات الإسرائيلية وتوازن السلطات.
وبحسب استطلاع نشرته القناة 12 الإسرائيلية في 20 يوليو/تموز، يمكن أن يتقدم المعسكر المعارض لنتانياهو في الانتخابات المقبلة. غير أن هذا المعسكر، حتى في حال حصوله على أغلبية المقاعد، قد يحتاج إلى دعم الأحزاب العربية حتى يتمكن من تشكيل حكومة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، قد تتحول الضفة الغربية بذلك إلى أكثر من مجرد بؤرة جديدة للعنف، فقد تصبح جبهة أمنية وسياسية لها تأثير مباشر على مستقبل بنيامين نتانياهو السياسي.

