من أكثر من 110 مليارات دولا الاستثمارات إلى شبكة متنامية من الشراكات الاقتصادية.. كيف تحولت العلاقة بين الإمارات والقارة الأفريقية إلى رهان طويل المدى على التجارة والموانئ والطاقة والزراعة والسياحة وفرص الشباب؟
حين تتجه دولة مثل الإمارات العربية المتحدة، محدودة المساحة وعدد السكان لكنها كبيرة بحضورها الاقتصادي والمالي والتجاري، إلى قارة بحجم أفريقيا وتنوعها وثرواتها وطاقتها البشرية، وتضع فيها عشرات المليارات من الدولارات، وتشارك في تطوير الموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية والزراعة والسياحة والبنية التحتية، فإن قراءة هذه الحركة باعتبارها مجرد بحث عن النفوذ تبدو قراءة ناقصة، مثلما سيكون من المبالغة تصوير الاستثمار باعتباره عملًا خيريًا لا يبحث عن الربح. الحقيقة الأكثر إثارة للاهتمام تقع بين الأمرين: هناك مصالح إماراتية واضحة، وهناك في المقابل حاجات وفرص أفريقية هائلة، وما يجعل التجربة جديرة بالمتابعة هو إمكانية أن تتحول هذه المصالح المتبادلة إلى شراكة يربح منها الطرفان، بحيث يجد رأس المال الإماراتي أسواقًا وفرصًا جديدة، بينما تجد الاقتصادات الأفريقية التمويل والخبرة والبنية التحتية والوصول إلى شبكات التجارة العالمية التي تحتاج إليها لتحقيق جزء من إمكاناتها الكبيرة.
الأرقام هنا تتحدث بقوة. فبحسب أحدث البيانات الإماراتية المتاحة، تجاوزت التجارة غير النفطية بين الإمارات وأفريقيا 160.4 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلة نموًا بنسبة 43.6 في المئة مقارنة بعام 2024، وأصبحت قيمتها تقارب ضعف ما كانت عليه في 2023. وفي جانب الاستثمار، تجاوزت الاستثمارات الإماراتية في القارة 110 مليارات دولار منذ عام 2019، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن أكثر من 70 مليار دولار من الاستثمارات المسجلة بين 2019 و2023 اتجهت إلى الطاقة والقطاعات الخضراء والمتجددة. وهذه ليست أرقامًا عابرة في علاقة تجارية تقليدية، وإنما مؤشر إلى أن أفريقيا أصبحت واحدة من المساحات الاستراتيجية المهمة في الرؤية الاقتصادية الإماراتية للعقود المقبلة.







محمد بن زايد.. حين تصبح الصداقة سياسة اقتصادية
ولا يمكن فصل هذا التوسع عن الرؤية الأوسع التي تشكلت في عهد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، وهي رؤية تقوم في جانب مهم منها على تنويع علاقات الدولة ومصالحها وعدم حصرها في الدائرة الخليجية أو العربية أو الغربية، بل بناء شبكة واسعة من الشراكات مع آسيا وأفريقيا وغيرها من المناطق الصاعدة. وأفريقيا في هذا التصور ليست قارة تنتظر المساعدة، وإنما شريك اقتصادي محتمل يمتلك ما يحتاج إليه العالم خلال العقود المقبلة: سكانًا شبابًا، وأسواقًا متنامية، وموارد طبيعية، وأراضي زراعية، ومعادن استراتيجية، ومواقع بحرية شديدة الأهمية، فضلًا عن حاجة ضخمة إلى البنية التحتية والطاقة ورأس المال.
وهنا ينبغي أن نتوقف عند معنى الصداقة بين الدول؛ فالصداقة الحقيقية في العلاقات الدولية لا تعني غياب المصالح، لأن الدول بطبيعتها تبحث عن مصالح شعوبها، وإنما تعني القدرة على بناء المصالح بطريقة لا يكون فيها ربح طرف مرهونًا بخسارة الطرف الآخر. الإمارات تريد أن تربح من أفريقيا، وهذا طبيعي، وأفريقيا من حقها كذلك أن تربح من الإمارات، وعندما يجد المستثمر الإماراتي عائدًا جيدًا على أمواله بينما يحصل البلد الأفريقي على ميناء حديث أو محطة كهرباء أو مشروع سياحي أو منطقة لوجستية أو فرص عمل أو سوق جديدة لصادراته، فإننا نكون أمام معادلة أكثر استدامة من علاقة تقوم على المساعدات وحدها.
والمثير للاهتمام أن هذه الرؤية لم تعد إماراتية فقط في خطابها المؤسسي، ففي يناير 2026 عقدت مفوضية الاتحاد الأفريقي والإمارات اجتماعًا رفيع المستوى في أديس أبابا، وأكد الجانبان الرغبة في تعميق الشراكة، وربطا بصورة واضحة بين السلام والأمن والتجارة والتنمية، كما أكدا أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية وأهداف «أجندة أفريقيا 2063». وهذه نقطة مهمة، لأنها تضع العلاقة داخل أولويات أفريقية معلنة، لا باعتبارها مجرد مشروع يحدد الطرف الخارجي اتجاهه بمفرده.
من كينيا إلى نيجيريا.. شبكة شراكات وليست صفقة واحدة
وحين ننظر إلى خريطة العلاقات الاقتصادية نكتشف أن الإمارات لا تتعامل مع أفريقيا بوصفها سوقًا واحدة متشابهة، وإنما تبني شبكة تختلف فيها طبيعة الشراكة من بلد إلى آخر. فأحدث البيانات الرسمية تشير إلى اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع دول أفريقية من بينها موريشيوس وأنغولا وكينيا وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو “الكونغو برازافيل” ونيجيريا، إلى جانب علاقات واتفاقيات ومشروعات أخرى تمتد إلى دول عديدة في القارة. وهذه نقطة تستحق التأكيد: عدد الدول التي توجد فيها مصالح واستثمارات وعلاقات اقتصادية إماراتية أكبر بكثير من عدد الدول التي أبرمت معها اتفاقيات CEPA، ولذلك لا يصح اختزال الحضور الإماراتي في رقم واحد أو في مجموعة محدودة من البلدان.
وفي كينيا على سبيل المثال، أخذت العلاقة خطوة نوعية عندما شهد الشيخ محمد بن زايد والرئيس وليام روتو في يناير 2025 توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، وهي أول اتفاقية من هذا النوع توقعها الإمارات مع دولة من البر الأفريقي. وتكشف الأرقام الكينية نفسها لماذا تبدو هذه العلاقة واعدة؛ فقد تضاعفت التجارة بين البلدين بأكثر من مرتين خلال عقد، ووصلت في 2023 إلى نحو 445 مليار شلن كيني، وأصبحت الإمارات ثاني أكبر مصدر للواردات الكينية وسادس أكبر وجهة لصادراتها. لكن الأهم من الرقم أن كينيا تصدر إلى السوق الإماراتية اللحوم والفواكه، ومنها الأفوكادو والأناناس والمانغو، إضافة إلى الخضروات والزهور، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بمزارعين وعمال وأسر كينية، بينما تستورد من الإمارات الوقود والآلات والمواد الكيميائية وغيرها من المنتجات الأساسية. كما تشمل فرص الاستثمار المطروحة الطاقة والمياه والزراعة والصحة والموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية وتنمية الموارد البشرية. وهذا بالضبط نموذج لما يمكن أن تكون عليه الشراكة المتوازنة: سوق للمنتج الأفريقي من جهة، ورأس مال وخدمات وبنية تحتية من جهة أخرى.
أما أنغولا، فالقصة مختلفة؛ فهي دولة كبيرة غنية بالموارد وتبحث منذ سنوات عن تنويع اقتصادها وتقليل اعتماده على النفط، ولذلك تلتقي المصالح الإماراتية هناك مع الحاجة إلى الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة والاستثمار. وفي نيجيريا يصبح حجم الفرصة أكبر بسبب ضخامة السوق وعدد السكان وقاعدة الأعمال الواسعة، بينما تقدم موريشيوس نموذجًا آخر يقوم بدرجة أكبر على الخدمات والمال والاستثمار وموقعها بوصفها منصة تربط رأس المال بالقارة. وفي الكونغو برازافيل وجمهورية أفريقيا الوسطى تتشكل العلاقات وفق احتياجات اقتصادات مختلفة تمامًا من حيث الحجم والموارد ومرحلة التنمية، وهو ما يؤكد أن السياسة الإماراتية لا تعتمد قالبًا واحدًا تفرضه على جميع الدول.
الموانئ.. ليست أرصفة فقط وإنما أبواب للأسواق
ويظهر البعد الأكثر وضوحًا لهذه الرؤية في الموانئ والخدمات اللوجستية. الإمارات تعرف جيدًا قيمة الميناء، لأن جزءًا أساسيًا من قصة نجاحها الاقتصادي قام أصلًا على تحويل الموقع الجغرافي إلى مركز عالمي للتجارة والنقل والخدمات، ولهذا ليس مستغربًا أن تحمل شركات إماراتية هذه الخبرة إلى أفريقيا. فعندما تستثمر شركة مثل «موانئ دبي العالمية» في ميناء أفريقي، لا يتعلق الأمر برصيف تصل إليه السفن فقط؛ الميناء الحديث يمكن أن يصبح مركزًا تتجمع حوله شركات النقل والتخزين والتبريد والتأمين والصيانة والخدمات والمناطق الصناعية، وكل حلقة من هذه الحلقات قادرة بدورها على خلق وظائف وأعمال محلية جديدة.
وفي السنغال مثلًا، تدير موانئ دبي العالمية محطة الحاويات في داكار، التي تربط كذلك اقتصادات غرب أفريقيا غير الساحلية بمسارات التجارة العالمية. وتقول الشركة إن عملياتها هناك أسهمت في تقليص متوسط انتظار السفن الذي كان يصل إلى 35 ساعة إلى الصفر في عمليات الرسو المجدولة، وهو تفصيل يبدو تقنيًا لكنه اقتصادي في جوهره؛ فكل ساعة تضيع فيها السفينة تعني كلفة إضافية في سلسلة التجارة، وكل تحسن في كفاءة الميناء يساعد المنتج والمستورد والمصدر المحلي.
وتشير دراسة الأثر الاقتصادي التي تعرضها الشركة إلى أن نشاطها في السنغال يدعم بصورة مباشرة وغير مباشرة ومُستحثة نحو 170 ألف وظيفة على المستوى الوطني، ويدعم مساهمة سنوية في الناتج المحلي بنحو 1.1 مليار دولار وفق منهجية الدراسة. وبطبيعة الحال، ينبغي التفريق بين الوظائف المباشرة التي توظفها الشركة وبين إجمالي الوظائف التي تقول دراسة الأثر إنها تدعمها عبر النشاط الاقتصادي المحيط، لكن الرقم مع ذلك يوضح فكرة أساسية: أثر الميناء يمكن أن يمتد إلى ما وراء أسواره.
والصورة تتكرر بصيغ أخرى؛ ففي 2025 أعلنت موانئ دبي العالمية أن مشروع ميناء ندايان الجديد في السنغال كان يولد نحو 600 وظيفة أثناء الإنشاء، بينما كان مشروع ميناء بانانا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يولد نحو 500 وظيفة إنشائية، مع توقع أن تدعم هذه المنشآت عند اكتمالها آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة عبر تحسين الاتصال التجاري.
الطاقة.. لا صناعة ولا تنمية من دون كهرباء
وإذا كانت الموانئ أبواب التجارة، فإن الطاقة هي الشرط الأول تقريبًا لأي تحول اقتصادي حقيقي. لا يمكن مطالبة أفريقيا بتطوير الصناعة بينما المصنع لا يضمن الكهرباء، ولا يمكن الحديث عن الاقتصاد الرقمي والمستشفيات والمدارس والتبريد الزراعي ومؤسسات الخدمات من دون طاقة مستقرة ومتاحة. وهنا يأتي واحد من أكبر محاور الاستثمار الإماراتي في القارة.
فشركة «مصدر» الإماراتية أعلنت التزامًا يستهدف تعبئة 10 مليارات دولار من التمويل للوصول إلى 10 غيغاواط من مشروعات الطاقة النظيفة في أفريقيا بحلول 2030، بينها مليارا دولار من رأس مال الشركة والبقية عبر تمويل المشروعات. وتمتد خطط ومشروعات الشركة إلى دول مثل أنغولا وأوغندا والكونغو وكينيا وموزمبيق وزامبيا، فضلًا عن مشروعات في دول أفريقية أخرى.
والقيمة هنا لا ينبغي قياسها فقط بعدد الألواح الشمسية أو التوربينات. الكهرباء تعني أن ورشة صغيرة تستطيع العمل ساعات أطول، وأن مصنعًا يمكن أن يُقام في منطقة لم تكن قابلة للاستثمار، وأن المستشفى يستطيع تشغيل أجهزته، وأن المنتجات الزراعية يمكن تبريدها بدل تلف جزء منها قبل الوصول إلى السوق. ولذلك فإن الاستثمار في الطاقة يمكن أن يكون استثمارًا غير مباشر في عشرات القطاعات الأخرى.
الزراعة والأمن الغذائي.. عندما تتكامل الحاجة مع الإمكانات
وفي الزراعة تظهر واحدة من أكثر صور التكامل الطبيعي بين الخليج وأفريقيا. الإمارات دولة صحراوية تستورد جانبًا مهمًا من غذائها، بينما تمتلك أفريقيا مساحات زراعية شاسعة وإمكانات إنتاجية كبيرة، لكنها تحتاج في مناطق عديدة إلى التمويل والري والتخزين والتبريد والتصنيع الغذائي ووسائل النقل والوصول إلى الأسواق.
وهنا تستطيع المصلحة الإماراتية في الأمن الغذائي أن تتحول إلى فرصة أفريقية إذا صُممت المشروعات على أساس طويل المدى؛ فبدل أن تكون العلاقة مجرد شراء محصول وشحنه إلى الخارج، يمكن للاستثمار أن يطور المزرعة، ويبني مخزنًا مبردًا، ويقيم مركزًا للتعبئة أو مصنعًا للتحويل الغذائي، ويدرب العمال، ثم يربط المنتج بالسوق الإماراتية ومنها بأسواق أخرى. وكلما زادت القيمة التي تبقى داخل البلد المنتج، أصبحت الشراكة أكثر عدلًا واستدامة.
وتقدم كينيا مثالًا واضحًا على هذه الإمكانية؛ فالصادرات الزراعية والغذائية الكينية إلى الإمارات تشمل اللحوم والفواكه والخضروات والزهور، وهي منتجات ترتبط بسلاسل طويلة من المزارعين والعمال والنقل والتعبئة والتصدير. ولذلك فإن فتح السوق الإماراتية أمامها ليس مجرد رقم في ميزان التجارة، بل يمكن أن يصل أثره إلى الاقتصاد الريفي نفسه.
السياحة.. مليارات جديدة وعشرات الآلاف من فرص العمل
وهناك قطاع ربما لم يحصل بعد على القدر نفسه من الاهتمام في الحديث عن العلاقات الإماراتية الأفريقية، وهو السياحة. ففي قمة الاستثمار السياحي الإماراتية-الأفريقية التي عقدت في دبي، شاركت أكثر من 20 دولة أفريقية، وطُرحت خريطة تضم أكثر من 100 مشروع وفرصة استثمارية بقيمة تقارب ستة مليارات دولار في السياحة والطيران والنقل والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والتحول الرقمي، مع تقديرات بإمكانية خلق نحو 70 ألف فرصة عمل في دول أفريقية مختلفة إذا تحولت المشروعات إلى استثمارات منفذة.
وهذا القطاع مهم بصورة خاصة للشباب، لأن السياحة ليست صناعة تحتاج فقط إلى رؤوس أموال ضخمة ومهندسين كبار؛ إنها تحتاج أيضًا إلى موظفي الفنادق والمطاعم، والمرشدين، والسائقين، والحرفيين، والمزارعين الذين يوردون الغذاء، وشركات التنظيف والصيانة، ومنظمي الرحلات، والمشروعات الصغيرة التي تنمو حول الوجهة السياحية. ولهذا فإن الدولار المستثمر في السياحة يمكن أن ينتقل عبر سلسلة واسعة من النشاط الاقتصادي المحلي إذا جرى تصميم المشروع بصورة تدمج المجتمع المحيط به.
الشباب الأفريقي.. هنا يجب أن تظهر نتيجة المليارات
لكن الاختبار الأكبر لكل هذه الأرقام سيظل الشباب الأفريقي. أفريقيا لا ينقصها الشباب ولا الطموح ولا الأفكار؛ ما ينقص أجزاء واسعة منها هو الاقتصاد القادر على تحويل هذه الطاقة البشرية إلى عمل وإنتاج ودخل. ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم استثمرت الإمارات في أفريقيا؟ وإنما: ماذا فعلت هذه الاستثمارات بحياة الناس؟
إذا أدى الميناء إلى وظيفة، ومحطة الكهرباء إلى مصنع، والمصنع إلى مئات الوظائف، والاستثمار الزراعي إلى ارتفاع دخل المزارع، والفندق إلى فرص للشباب، واتفاقية التجارة إلى وصول شركة أفريقية صغيرة إلى أسواق الخليج، عندها يصبح الاستثمار جزءًا من التنمية الحقيقية. أما إذا ظلت المليارات أرقامًا ضخمة تتحرك بين المؤسسات من دون أن يصل أثرها إلى المجتمع، فإن الشراكة ستفقد جزءًا مهمًا من معناها.
وهذا هو السبب الذي يجعل نقل المعرفة والتدريب في رأيي لا يقلان أهمية عن رأس المال. يستطيع المستثمر أن يبني المشروع بعمالة وخبرة تأتي من الخارج ثم تغادر، لكنه يستطيع أيضًا أن يجعل المشروع مدرسة عملية للمهندس والفني والإداري والشاب الأفريقي. الخيار الثاني أبطأ وربما أصعب، لكنه يترك وراءه شيئًا لا تستطيع الأموال وحدها شراءه: الخبرة البشرية.
أفريقيا لا تحتاج إلى من ينقذها.. بل إلى من يشاركها
ومن المهم، ونحن نكتب بحسن ظن عن العلاقات الإماراتية الأفريقية، ألا نقع في لغة توحي بأن أفريقيا قارة تنتظر من يأتي لإنقاذها. هذه قارة تضم أكثر من خمسين دولة، ومئات الملايين من الشباب، ورجال أعمال ومؤسسات وحكومات ومجتمعات تعرف مصالحها وتختار شركاءها، كما أنها تملك مشروعها القاري الخاص للمستقبل من خلال «أجندة أفريقيا 2063»، التي تضع النمو الشامل والتنمية المستدامة وتمكين الشباب والشراكات الدولية ضمن أولوياتها.
وهذا يجعل مفهوم الشراكة أجمل وأدق من مفهوم المساعدة. المساعدة قد تبدأ اليوم وتنتهي غدًا، أما الشراكة فتبقى لأن لكل طرف مصلحة في استمرار نجاح الطرف الآخر. عندما يصبح المزارع الكيني أكثر قدرة على التصدير، تستفيد السوق الإماراتية؛ وعندما يتحسن ميناء في السنغال، تربح الشركة المشغلة ويستفيد الاقتصاد المحلي؛ وعندما تنتج محطة طاقة كهرباء يحتاج إليها مصنع أفريقي، يربح المستثمر وتظهر وظائف جديدة؛ وعندما يصبح اقتصاد أفريقي أكثر ازدهارًا، تتحول ملايين الأسر تدريجيًا إلى طبقة مستهلكة ومنتجة تخلق بدورها فرصًا جديدة للشركات الإماراتية.
وهنا توجد فلسفة اقتصادية بسيطة لكنها قوية: ليس المطلوب أن تخسر الإمارات حتى تربح أفريقيا، ولا أن تخسر أفريقيا حتى تربح الإمارات؛ النجاح الحقيقي هو إيجاد المساحة التي يستطيع فيها الطرفان أن يربحا معًا.
الاستثمار الأفضل هو الذي يحبه المجتمع الذي يستضيفه
لكن الصداقة وحسن الظن لا يمنعان من وضع شروط واضحة لنجاح التجربة، بل ربما يفرضان ذلك. فالاستثمار الإماراتي الذي نريده ناجحًا في أفريقيا ليس فقط المشروع الذي يحقق أرباحًا ممتازة للمساهمين، وإنما المشروع الذي يشعر المجتمع المحيط به بعد عشر أو عشرين سنة بأنه استفاد من وجوده.
الميناء الناجح ليس فقط الميناء الذي يرفع عدد الحاويات، وإنما الذي تنشأ حوله شركات محلية ووظائف وطرق ومراكز تخزين وصناعات. ومشروع الطاقة الناجح ليس فقط الذي ينتج الميغاواط، وإنما الذي يسمح بقيام مصانع وأعمال جديدة. والاستثمار الزراعي الأفضل ليس الذي يخرج بالمنتج الخام بأسرع وقت، وإنما الذي يساعد أيضًا على التصنيع والتخزين ورفع إنتاجية المزارع. والمنجم الأفضل ليس الذي يستخرج المعدن فقط، وإنما الذي يخلق حوله قدرًا أكبر من القيمة المضافة المحلية ويحترم البيئة وحقوق المجتمعات والعمال.
وهذه ليست مطالب ضد المستثمر الإماراتي، بل ضمانات لمصلحته؛ لأن المشروع الذي يحبه المجتمع المحلي يكون أكثر استقرارًا من المشروع الذي ينظر إليه الناس باعتباره غريبًا عنهم، والشركة التي تدرب أبناء البلد وتشتري من المؤسسات المحلية وتساهم في تنمية محيطها تبني لنفسها رصيدًا اجتماعيًا قد يكون أكثر قيمة على المدى الطويل من أي حملة علاقات عامة.
من 110 مليارات إلى السؤال الأهم: ماذا بعد؟
أكثر من 110 مليارات دولار من الاستثمارات، وأكثر من 160 مليار دولار من التجارة غير النفطية في عام واحد، وشبكة متنامية من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، ومشروعات في الموانئ والطاقة والزراعة والسياحة والخدمات واللوجستيات؛ هذه كلها تقول إن العلاقة بين الإمارات وأفريقيا تجاوزت مرحلة البدايات.
لكن الرقم الأكثر أهمية لم يُكتب بعد.
إنه عدد الشباب الذين ستتغير حياتهم بسبب هذه الاستثمارات خلال السنوات المقبلة، وعدد الشركات الأفريقية التي ستكبر، وعدد المنتجات التي ستتحول من مادة خام إلى سلعة مصنعة داخل القارة، وعدد المدن التي ستصبح أكثر اتصالًا بالعالم، وعدد البيوت التي ستصلها الكهرباء، وعدد المزارعين الذين سيصل إنتاجهم إلى سوق لم يكن في استطاعتهم الوصول إليها من قبل.
هنا تحديدًا يمكن أن يظهر فضل هذه الشراكة وقيمتها الحقيقية.
الإمارات وأفريقيا.. حين يصبح نجاح الآخر جزءًا من نجاحك
لقد بنت الإمارات جانبًا كبيرًا من تجربتها الحديثة على فكرة شديدة البساطة: لا تجعل محدودية الجغرافيا تحدد حدود الطموح. دولة صغيرة على الخريطة استطاعت أن تجعل من الميناء مركزًا عالميًا، ومن المطار نقطة التقاء بين القارات، ومن الصحراء مدنًا تستقبل التجارة والاستثمار والسياحة، ومن موقعها بين الشرق والغرب عنصرًا من عناصر قوتها الاقتصادية.
وأفريقيا بدورها ليست فقيرة في الإمكانات؛ بل لعل مشكلتها التاريخية أن المسافة بين ما تملكه وما استطاعت تحويله إلى قيمة اقتصادية ظلت واسعة في مناطق كثيرة. لديها الأرض والمعادن والشمس والرياح والبحار والشباب والأسواق، لكنها تحتاج إلى مزيد من رأس المال والبنية التحتية والكهرباء والموانئ والتصنيع والربط بالاقتصاد العالمي. وعندما تأتي الإمارات بخبرتها ورأس مالها وشبكاتها التجارية، بينما يأتي الشريك الأفريقي بموارده وسوقه وموقعه وطاقته البشرية، توجد فرصة حقيقية لبناء شيء أكبر من صفقة عابرة.
ومن هنا فإن أجمل ما يمكن أن تتمناه لعلاقة الإمارات بأفريقيا ليس أن تتحول القارة إلى مجرد مجال جديد للنفوذ الإماراتي، ولا أن تتحول الإمارات إلى خزينة تمول المشروعات الأفريقية، وإنما أن تتشكل بينهما علاقة ناضجة يعرف فيها كل طرف ماذا يريد، ويحترم ما يريده الآخر، ويكتشف الطرفان أن التعاون أكثر ربحًا من الاستغلال، وأن الاستثمار أكثر استدامة من المساعدة المؤقتة، وأن الشريك القوي اقتصاديًا أفضل من الشريك الضعيف المحتاج دائمًا إلى الدعم.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للصداقة بين الشعوب والدول: أن نتمنى الخير لأنفسنا، ولكن أن نفهم أيضًا أن خير الصديق ليس خصمًا من خيرنا.
فإذا استطاعت الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد، أن تجعل جزءًا من نجاحها الاقتصادي جسرًا تعبر عليه استثمارات وفرص جديدة نحو أفريقيا، وإذا استطاعت الدول الأفريقية في المقابل أن تستخدم هذا المال والخبرة لبناء قدراتها وتدريب شبابها وتطوير موانئها وزراعتها وطاقتها وصناعتها، فإن العلاقة لن تحتاج بعد سنوات إلى خطابات كثيرة للدفاع عنها؛ فالطريق والميناء والمصنع ومحطة الكهرباء والمزرعة والوظيفة ستكون هي التي تتحدث.
عندها يصبح الاستثمار الإماراتي في أفريقيا أكثر من رقم في تقرير اقتصادي، وتصبح الصداقة أكثر من عبارة في بيان دبلوماسي، وتصبح الشراكة مشروعًا إنسانيًا واقتصاديًا طويل المدى، يقوم على فكرة واضحة وبسيطة: أن تنجح الإمارات في أفريقيا، وأن تنجح أفريقيا مع الإمارات، وأن يكون الإنسان ـ الإماراتي والأفريقي معًا ـ هو الرابح الأخير من هذه العلاقة.


