Homeالرأيفشل السعودية في حرب اليمن: كيف عجزت القوة العسكرية والتحالفات الدولية عن...

فشل السعودية في حرب اليمن: كيف عجزت القوة العسكرية والتحالفات الدولية عن حسم المواجهة مع الحوثيين؟ – بقلم إسحاق هموش

حرب اليمن تكشف حدود القوة العسكرية السعودية

منذ انطلاق التدخل العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن في مارس 2015، برزت مفارقة استراتيجية ظلت ترافق هذا الصراع طوال سنواته الطويلة: دولة تمتلك موارد مالية هائلة، وترسانة عسكرية متطورة، وعلاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة وقوى دولية وإقليمية، تجد نفسها في مواجهة جماعة مسلحة استطاعت البقاء والمحافظة على قدراتها القتالية رغم حملات القصف والضغوط العسكرية والاقتصادية. لقد كانت عملية «عاصفة الحزم» تحمل في اسمها وعداً بالحسم السريع، غير أن مسار الحرب أثبت أن امتلاك التفوق الجوي لا يعني بالضرورة السيطرة على الأرض، وأن تدمير المنشآت العسكرية لا يضمن تفكيك التنظيمات المسلحة أو إنهاء قدرتها على القتال. وبعد سنوات من المواجهة، لم تعد القضية محصورة في عدد الطائرات أو الصواريخ التي يمتلكها كل طرف، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر عمقاً: لماذا لم تنجح الاستراتيجية العسكرية السعودية في تحقيق أهدافها المعلنة، وكيف تحولت الحرب من عملية عسكرية يفترض أن تعيد ترتيب موازين القوى في اليمن إلى صراع طويل فرض تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية على مختلف الأطراف؟

الحوثيون وحرب الاستنزاف: كيف استطاعت جماعة مسلحة الصمود أمام قوة إقليمية؟

إن تفسير استمرار الحوثيين في القتال لا يمكن اختزاله في الشجاعة الميدانية أو المعرفة بالتضاريس الجبلية وحدهما، رغم أهمية هذين العاملين في حرب غير متكافئة. فقد راكمت الجماعة خبرات قتالية خلال حروب صعدة قبل التدخل السعودي، ثم استفادت من سيطرتها على مناطق واسعة ومؤسسات وموارد داخل اليمن لتطوير بنيتها العسكرية والأمنية. كما ساهم الدعم الإيراني، وفق تقارير دولية، في تعزيز قدراتها التقنية والعسكرية، خصوصاً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتكمن إحدى نقاط القوة العسكرية للجماعة في قدرتها على التكيف مع الضربات، وإعادة توزيع قواتها، والاعتماد على وسائل هجومية أقل تكلفة من المنظومات الدفاعية المستخدمة لاعتراضها. وهذا لا يعني أن الحوثيين لم يتكبدوا خسائر كبيرة أو أنهم حققوا انتصاراً شاملاً، بل إن استمرار قدرتهم على تنفيذ العمليات بعد سنوات من الضغوط يمثل بحد ذاته تحدياً للاستراتيجية التي قامت على إضعافهم عسكرياً إلى درجة تمنعهم من تهديد السعودية أو السيطرة على مساحات واسعة من اليمن.

الترسانة السعودية والتحالفات الخارجية: لماذا لم تتحول القوة إلى حسم عسكري؟

تُظهر التجربة اليمنية أن الفارق بين القوة العسكرية النظرية والفاعلية الاستراتيجية قد يكون واسعاً للغاية. فقد اعتمدت السعودية على سلاح الجو والتسليح المتقدم والتعاون الاستخباراتي والعسكري مع شركائها، لكنها واجهت خصماً لا يقاتل وفق نموذج الجيوش النظامية التقليدية. فالحوثيون لا يحتاجون إلى امتلاك قوة جوية مماثلة للقوة السعودية حتى يواصلوا الحرب، ولا إلى السيطرة على كامل الأراضي اليمنية حتى يتمكنوا من تهديد أهداف استراتيجية. وفي المقابل، يتطلب الدفاع عن المنشآت النفطية والمطارات والمدن والبنية التحتية مساحة واسعة من الحماية والمراقبة والاعتراض. ومن هنا نشأت معادلة استنزاف معقدة، يمكن فيها لهجوم محدود بطائرة مسيّرة أو صاروخ أن يفرض تكاليف دفاعية واقتصادية تتجاوز تكلفة الوسيلة المستخدمة في الهجوم. كما أن الاستعانة بالشركاء الدوليين والإقليميين، مهما بلغت أهميتها في التدريب والتسليح والدفاع الجوي، لا تحل تلقائياً المشكلات السياسية والعسكرية الداخلية في اليمن، ولا تضمن بناء سلطة يمنية موحدة قادرة على بسط سيطرتها واستعادة الاستقرار.

ضربات الحوثيين في العمق السعودي: حين تصبح المنشآت الحيوية جزءاً من معادلة الحرب

أظهرت الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية خلال سنوات الصراع أن البنية التحتية الاستراتيجية يمكن أن تصبح عرضة للتهديد حتى في الدول التي تمتلك منظومات دفاعية متقدمة. ومن أبرز الأمثلة الهجوم الذي استهدف منشأتي بقيق وخريص النفطيتين في سبتمبر 2019، والذي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنه، بينما نسبت الولايات المتحدة والسعودية الهجوم إلى إيران، وهو ما نفته طهران. وقد أدى الهجوم إلى اضطراب كبير ومؤقت في إنتاج النفط السعودي، وكشف حجم التأثير الاقتصادي المحتمل للهجمات بعيدة المدى. وتكتسب هذه الوقائع أهمية استراتيجية تتجاوز الخسائر المادية المباشرة، لأنها تضع قدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية تحت الاختبار، وتؤثر في ثقة المستثمرين واستقرار الأنشطة الاقتصادية. غير أن هذه الهجمات لا تثبت انهيار الدفاعات السعودية بالكامل، كما أن نجاح الحوثيين في تنفيذ عمليات مؤثرة لا يعني قدرتهم على فرض نتيجة الحرب بمفردهم. وتظل الهجمات على الأهداف المدنية، أياً كان الطرف المنفذ، موضع مساءلة بموجب القانون الدولي الإنساني.

من عاصفة الحزم إلى حرب الاستنزاف: إخفاق الهدف السعودي الأكبر

إذا كان من الضروري التمييز بين الانتصارات التكتيكية والنتائج الاستراتيجية، فإن تقييم التدخل السعودي يجب أن يبدأ من الأهداف التي أُعلنت عند انطلاقه. فقد كان الهدف الأساسي إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى السلطة وإخراج الحوثيين من المناطق التي سيطروا عليها، وفي مقدمتها صنعاء. لكن استمرار سيطرة الحوثيين على العاصمة وأجزاء واسعة من شمال اليمن بعد سنوات طويلة من التدخل العسكري يبرز الفجوة بين الأهداف الأصلية والنتائج المتحققة. ولا تعني هذه النتيجة أن جميع المعارك انتهت لصالح الحوثيين؛ فقد حققت القوات الحكومية المدعومة من السعودية والإمارات مكاسب ميدانية في مراحل مختلفة، كما تعرض الحوثيون لخسائر بشرية وعسكرية كبيرة. لكن تلك المكاسب لم تتحول إلى تسوية مستقرة تنهي الانقسام اليمني أو تعيد توحيد مؤسسات الدولة. وهنا تتجلى إحدى أبرز مشكلات الاستراتيجية السعودية: فقد استطاعت ممارسة ضغط عسكري واسع، لكنها لم تتمكن من تحويل هذا الضغط إلى نتيجة سياسية مستدامة تحقق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها.

الولايات المتحدة وتركيا وباكستان: لماذا لا تضمن التحالفات الدولية الانتصار في اليمن؟

إن العلاقات الدفاعية الواسعة التي تربط السعودية بقوى إقليمية ودولية تمنحها إمكانات مهمة في التسليح والتدريب والاستخبارات وحماية المنشآت، لكنها لا تقدم حلاً جاهزاً لطبيعة الصراع اليمني. فالمواجهة لا تدور بين جيشين نظاميين يمكن لأحدهما تدمير قواعد الآخر ثم فرض الاستسلام، وإنما تشمل جماعة تسيطر على مناطق مأهولة، وتمتلك شبكات تنظيمية وعسكرية متجذرة، وتستفيد من الانقسامات اليمنية ومن الدعم الإيراني. وتبقى طبيعة التعاون السعودي مع الولايات المتحدة وتركيا وباكستان مختلفة من دولة إلى أخرى، ولا يصح تصوير جميع هذه الأطراف وكأنها شاركت في حرب برية مباشرة ضد الحوثيين. والمشكلة التي تستحق النقد هنا ليست مجرد عدد الحلفاء، وإنما الافتراض بأن توسيع شبكة المساندة الخارجية يستطيع تعويض غياب تسوية سياسية يمنية جامعة. فحتى عندما تنجح المساعدات الخارجية في تحسين القدرات الدفاعية السعودية، تظل مسألة السيطرة على الأرض، وبناء مؤسسات الدولة، والتعامل مع الانقسامات المحلية، مسائل لا يمكن حلها بالأسلحة المستوردة وحدها.

الحوثيون بين القوة العسكرية والسلطة السياسية: صمود لا يلغي التناقضات

توضح تجربة الحوثيين أن الجماعة تجاوزت مرحلة التمرد المحلي المحدود وأصبحت فاعلاً عسكرياً وسياسياً مؤثراً في اليمن والمنطقة. فقد حافظت على سيطرتها على صنعاء، وطورت قدرات هجومية بعيدة المدى، وأظهرت قدرة على استيعاب الضغوط العسكرية المتكررة. لكن القوة العسكرية ليست المعيار الوحيد للحكم على نتائج الصراع. فقد وثقت منظمات حقوقية وخبراء دوليون انتهاكات طالت المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، كما أثارت هجماتها على السفن التجارية والمرافق المدنية مخاوف جدية بشأن سلامة المدنيين والملاحة الدولية. ولذلك فإن التحليل الذي يبرز صمود الحوثيين ينبغي ألا يحول هذا الصمود إلى تبرير تلقائي لكل سياساتهم أو عملياتهم. فالجماعة تواجه بدورها تحديات تتعلق بالحكم والاقتصاد والحريات العامة، مثلما تواجه السعودية أسئلة بشأن نتائج تدخلها العسكري. وتبقى قدرة أي طرف على توفير الأمن والعدالة والاستقرار للسكان معياراً أساسياً يتجاوز مجرد استمرار السيطرة العسكرية.

المملكة السعودية أمام سؤال استراتيجي: ماذا حققت الحرب بعد كل هذه السنوات؟

يبقى السؤال الأشد إلحاحاً بالنسبة إلى صانعي القرار في الرياض هو ما إذا كانت الاستراتيجية العسكرية قد جعلت الحدود السعودية أكثر أمناً، وساعدت على إقامة دولة يمنية مستقرة، وقلصت قدرة الحوثيين على تهديد المصالح السعودية. إن استمرار الانقسام اليمني وبقاء القدرات العسكرية الحوثية مؤشرات تدفع إلى إعادة النظر في فعالية النهج الذي اتُّبع منذ عام 2015. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 أدت إلى انخفاض ملموس في مستوى العنف، وهو ما يقدم دليلاً على أن المسارات الدبلوماسية قادرة على تحقيق نتائج لا تستطيع العمليات العسكرية وحدها ضمانها. ولعل أكثر ما تكشفه التجربة اليمنية هو أن الأمن لا يتحقق بمجرد إضعاف الخصم عسكرياً، وإنما يحتاج إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار، وضمانات متبادلة، ومؤسسات يمنية تحظى بقدر كافٍ من الشرعية والقدرة على الحكم. أما استمرار الرهان على الحسم العسكري دون معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية للصراع، فيحمل خطر إعادة إنتاج الحرب مهما تغيرت موازين القوى على الجبهات.

الخاتمة: فشل الحسم العسكري السعودي وصمود الحوثيين يعيدان طرح السؤال الذي لم تجب عنه الحرب

لقد كشفت حرب اليمن، منذ انطلاق التدخل السعودي، عن حدود القوة العسكرية مهما بلغ حجم الإنفاق عليها وتعددت مصادر دعمها. فالسعودية التي دخلت الحرب بهدف إعادة الحكومة المعترف بها دولياً وتقليص نفوذ الحوثيين، وجدت نفسها أمام خصم استمر في القتال، واحتفظ بمراكز نفوذه الأساسية، وطوّر قدرات هجومية وصلت آثارها إلى العمق السعودي. وفي المقابل، لم يحقق الحوثيون سيطرة شاملة على اليمن، ولم ينهوا قدرة خصومهم على القتال، ولا تزال المناطق الخاضعة لهم تواجه أزمات سياسية وإنسانية واقتصادية خطيرة. وهكذا فإن النتيجة الأكثر وضوحاً ليست انتصاراً نهائياً لطرف على آخر، وإنما استمرار المأزق الاستراتيجي الذي عجزت سنوات الحرب عن حله. ومن هنا تبرز مسؤولية مراجعة الخيارات العسكرية السعودية، مثلما تبرز مسؤولية الحوثيين وبقية الأطراف اليمنية عن إيجاد تسوية تحمي السكان وتوقف دورة التصعيد. فالدرس الذي تفرضه هذه الحرب هو أن القوة التي تستطيع إطالة القتال ليست بالضرورة القوة التي تستطيع إنهاءه، وأن الحسم الحقيقي لا يقاس بعدد الغارات والصواريخ، بل بالقدرة على تحقيق سلام مستقر لا يعيد إنتاج أسباب الحرب.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا