أبوظبي تستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026
تتجه أنظار الحكومات والمؤسسات الدولية وخبراء البيئة والتنمية إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، التي تستضيف من 8 إلى 10 ديسمبر 2026 مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026. ويُعقد هذا الحدث الدولي رفيع المستوى في مركز أبوظبي الوطني للمعارض «أدنيك»، بتنظيم مشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية السنغال، وبمشاركة متوقعة لممثلين عن الحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع العلمي.
لا يقتصر مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي على مناقشة القضايا البيئية والتقنية المرتبطة بالموارد المائية، بل يشكل محطة سياسية ودبلوماسية مهمة في وقت أصبح فيه الأمن المائي العالمي مرتبطاً بالأمن الغذائي والطاقة والصحة العامة والاستقرار الاقتصادي. ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للمياه، يهدف المؤتمر إلى تسريع تنفيذ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بضمان حصول الجميع على المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، وتعزيز مكانة المياه ضمن الأجندة الدولية.
الأمن المائي يتحول إلى قضية جيوسياسية عالمية
لم تعد المياه مجرد مورد طبيعي أو ملف إنساني منفصل عن التحولات السياسية الكبرى. فقد أصبحت ندرة المياه وتوزيعها وإدارتها من القضايا التي تؤثر مباشرة في سيادة الدول وقدرتها على حماية سكانها واقتصاداتها. ويساهم النمو السكاني والتوسع العمراني وارتفاع الطلب الزراعي والصناعي وتغير المناخ في زيادة الضغط على الموارد المائية المتاحة.
وتشير أحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، التي نشرتها الأمم المتحدة للمياه، إلى أن نصيب الفرد من موارد المياه العذبة المتجددة تراجع بنسبة 7 في المئة خلال العقد الماضي. ويعني هذا التراجع أن عدداً متزايداً من الدول سيجد نفسه أمام خيارات صعبة تتعلق بتوزيع المياه بين السكان والزراعة والصناعة وإنتاج الطاقة.
كما تؤدي موجات الجفاف الطويلة والفيضانات وتراجع الكتل الجليدية وتدهور التربة إلى جعل دورة المياه أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتوقع. ومن شأن هذه التطورات أن تزيد مخاطر النزوح والتوتر الاجتماعي والخلافات بين الدول التي تتقاسم الأنهار أو الأحواض الجوفية. لذلك أصبح التعاون الدولي في مجال المياه ضرورة استراتيجية لمنع الأزمات، وليس مجرد خيار بيئي أو تنموي.
لماذا اختيرت أبوظبي لاحتضان مؤتمر المياه العالمي؟
يحمل اختيار أبوظبي لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 دلالة استراتيجية واضحة. فدولة الإمارات تقع في منطقة تعاني ندرة شديدة في المياه العذبة وارتفاعاً في درجات الحرارة ومحدودية في هطول الأمطار. وقد دفعت هذه الظروف الدولة إلى الاستثمار في تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتطوير البنية التحتية، والبحث عن تقنيات جديدة للحد من الهدر وتحسين كفاءة الاستهلاك.
ومن خلال احتضان هذا المؤتمر، تسعى أبوظبي إلى تحويل تجربتها في مواجهة الندرة المائية إلى أداة للحوار والتعاون الدولي. كما تريد دولة الإمارات تعزيز حضورها داخل الدبلوماسية البيئية العالمية، وربط إمكاناتها الاستثمارية والتكنولوجية بالجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن المائي والتنمية المستدامة.
أما الشراكة مع السنغال، فتمنح المؤتمر بعداً إضافياً، إذ تجمع بين دولة خليجية ذات قدرات مالية وتكنولوجية مهمة ودولة أفريقية تواجه تحديات مرتبطة بتوفير المياه وخدمات الصرف الصحي والتنمية الريفية. وقد تتيح هذه الشراكة بناء حوار أكثر توازناً بين الدول الصناعية والقوى الصاعدة ودول الجنوب، شريطة أن تتحول الوعود إلى مشاريع ملموسة تستجيب لاحتياجات السكان.
ستة محاور ترسم مستقبل حوكمة المياه العالمية
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة ستة محاور أساسية لتنظيم الحوارات التفاعلية خلال المؤتمر. وتشمل هذه المحاور المياه من أجل الإنسان، والمياه من أجل الازدهار، والمياه من أجل كوكب الأرض، والمياه من أجل التعاون، ومكانة المياه في العمليات متعددة الأطراف، إضافة إلى الاستثمار والتكنولوجيا والابتكار. وتعكس محاور مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 الطبيعة المتعددة للأزمة المائية العالمية.
يرتبط المحور الأول بالحق الإنساني في مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة. أما محور الازدهار، فيتناول العلاقة بين المياه والغذاء والطاقة والنمو الاقتصادي، إلى جانب إدارة مياه الصرف ورفع كفاءة الاستخدام في مختلف القطاعات.
وسيحظى التعاون حول المياه العابرة للحدود باهتمام خاص. ففي عدد من المناطق، تعبر الأنهار حدوداً سياسية شديدة الحساسية، وقد تصبح السيطرة على منابع المياه أو السدود وسيلة للضغط بين الدول. ومن هنا تبرز أهمية الاتفاقيات الدولية وتبادل المعلومات والوساطة العلمية في منع تحول ندرة المياه إلى مصدر جديد للنزاعات.
أزمة المياه تكشف استمرار التفاوت بين المجتمعات
لا تتوزع آثار أزمة المياه بالتساوي بين الدول والسكان. فالمجتمعات الريفية وسكان الأحياء الفقيرة واللاجئون والنازحون والمناطق المتضررة من الحروب غالباً ما يدفعون الثمن الأكبر. كما تتحمل النساء والفتيات جزءاً غير متناسب من العبء الناتج عن غياب المياه بالقرب من المنازل.
ويشير تقرير الأمم المتحدة العالمي عن تنمية الموارد المائية لعام 2026 إلى أن النساء والفتيات يقضين نحو 250 مليون ساعة يومياً في جمع المياه على المستوى العالمي. ويؤدي ذلك إلى تقليص فرص التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية، في حين تظل النساء ممثلات بصورة محدودة داخل المؤسسات التي تدير الموارد والمرافق المائية.
لذلك، ينبغي ألا تقتصر نتائج مؤتمر أبوظبي على بناء محطات وشبكات جديدة، بل يجب أن تشمل سياسات تضمن العدالة في الحصول على المياه. فلا جدوى من إنشاء بنية تحتية مكلفة إذا كانت أسعار الخدمات أو طرق إدارتها تمنع الفئات الفقيرة من الاستفادة منها.
تمويل الأمن المائي هو الاختبار الحقيقي للمؤتمر
لن يكون من الممكن مواجهة أزمة المياه العالمية بالبيانات الدبلوماسية وحدها. فالدول تحتاج إلى استثمارات ضخمة لبناء شبكات المياه والصرف الصحي وصيانتها، وتحديث أنظمة الري، ومعالجة المياه المستعملة، والحد من التسرب، وحماية الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية من التلوث والاستنزاف.
وتكمن المفارقة في أن الدول التي تعاني أكبر عجز في البنية التحتية المائية غالباً ما تكون الأقل قدرة على توفير التمويل اللازم. لذلك سيكون على مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي الجمع بين الحكومات وبنوك التنمية والمؤسسات المالية والمستثمرين من أجل إيجاد آليات تمويل عادلة ومستدامة.
ويمكن للتكنولوجيا أن تساهم في تحلية المياه بكفاءة أكبر، والكشف عن التسرب، وتطوير الري الدقيق، وإعادة التدوير، وتحسين جمع البيانات. لكنها لن تكون بديلاً عن الحوكمة الرشيدة والشفافية والمؤسسات القادرة على تنفيذ السياسات ومراقبة النتائج.
هل تتحول تعهدات أبوظبي إلى نتائج ملموسة؟
يأتي مؤتمر أبوظبي امتداداً لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي انعقد في نيويورك عام 2023. وسيكون المطلوب هذه المرة معرفة ما إذا كان المجتمع الدولي قادراً على الانتقال من إعلان النيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ولن تقتصر الأسئلة على حجم الالتزامات التي ستُعلن، بل ستشمل كيفية تمويلها وتطبيقها وتقييم نتائجها بعد انتهاء المؤتمر.
أما القول إن «القرارات الدولية بشأن المياه ستُتخذ في أبوظبي»، فهو تعبير إعلامي يحمل دلالة سياسية قوية، لكنه يحتاج إلى قدر من الدقة. فليست جميع نتائج المؤتمر ملزمة قانونياً، كما أن أبوظبي لن تصبح مقراً لحكومة عالمية تدير المياه. ومع ذلك، تستطيع هذه القمة تحديد الأولويات الدولية، وتعبئة التمويل، وإطلاق الشراكات، وزيادة الضغط على الحكومات من أجل تقديم نتائج قابلة للقياس.
مؤتمر أبوظبي اختبار جديد لقدرة العالم على التعاون
في نظام دولي تزداد داخله المنافسة بين القوى الكبرى وتتراجع فيه الثقة بالعمل متعدد الأطراف، يمكن للمياه أن تتحول إلى خط جديد للصراع أو إلى مساحة للتعاون. فلا تستطيع دولة واحدة حماية نهر عابر للحدود أو تحقيق الاستقرار المناخي أو ضمان الأمن المائي لمنطقة بأكملها بمفردها.
ولهذا يمثل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 في أبوظبي اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على تجاوز الخلافات عندما يتعلق الأمر بمورد لا يمكن للحياة أو الاقتصاد الاستمرار من دونه. ولن يقاس نجاح المؤتمر بعدد الوفود والخطب الرسمية، بل بحجم التمويل الذي سيتم توفيره، ونوعية الشراكات التي ستُطلق، وقدرة الحكومات على تحويل التعهدات إلى مياه نظيفة تصل فعلياً إلى السكان.
لن تتمكن أبوظبي خلال ثلاثة أيام من حل أزمة المياه العالمية. لكنها قد تصبح المكان الذي يقرر فيه العالم التعامل مع الأمن المائي باعتباره قضية مركزية ترتبط بالسلام والكرامة الإنسانية والسيادة والاستقرار ومستقبل الأجيال المقبلة.


