أعادت تصريحات مايك بومبيو بشأن إيران فتح نقاش أوسع من حدود السجال السياسي الأميركي أو الخليجي. فالرجل، الذي شغل منصب وزير الخارجية الأميركي بين عامي 2018 و2021، ارتبط اسمه بسياسة ضغط صارمة على طهران، لكنه يطرح في خطابه الأخير فكرة أكثر اتساعاً: أن الخلاف مع النظام الإيراني ليس شأناً يخص دولة بعينها، بل ملفاً يتداخل مع أمن الشرق الأوسط وحسابات القوى الدولية ومسارات الدبلوماسية النووية.
تاريخياً، لم تُحصر التوترات المرتبطة بـإيران في العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة. فقد ارتبطت ملفات طهران بأزمات متوازية تشمل البرنامج النووي، وتطوير الصواريخ، والنفوذ السياسي والعسكري في ساحات عربية، إضافة إلى أمن الملاحة في مناطق حساسة للتجارة العالمية والطاقة. هذه العناصر جعلت الملف الإيراني حاضراً في مداولات حكومات إقليمية وغربية، وفي تقارير مؤسسات دولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خصوصاً عند تقييم الالتزامات النووية ومستويات الرقابة.
تكمن أهمية خطاب مايك بومبيو في أنه يعكس توجهاً يرى أن التعامل مع طهران لا يمكن أن يبقى محصوراً في ردود فعل منفصلة من دول الخليج أو واشنطن. فالسعودية ودول خليجية أخرى، والأردن، وأطراف في العراق واليمن، واجهت خلال السنوات الماضية تداعيات مباشرة وغير مباشرة لسياسات إيرانية محل خلاف. غير أن تحويل هذه المخاوف إلى ملف دولي يتطلب، في المقابل، توافقاً سياسياً وقانونياً بين عواصم تختلف أحياناً في أدوات الضغط والحوار وأولويات الاستقرار.
على المستوى العملي، يظل الملف النووي النقطة الأكثر قابلية للقياس والمتابعة، لأنه مرتبط باتفاقات ورقابة فنية وآليات تفاوض. أما الملفات الإقليمية، فتبدو أكثر تعقيداً بسبب تداخلها مع صراعات داخلية وتحالفات محلية. لذلك لا يكفي توصيف إيران كأزمة عالمية من دون تحديد المسارات التي يمكن عبرها خفض التصعيد، سواء عبر العقوبات، أو القنوات الدبلوماسية، أو ترتيبات أمنية إقليمية. وتبقى وزارة الخارجية الأميركية طرفاً مركزياً في صياغة هذا التوازن بين الضغط والتفاوض.
تُظهر تصريحات بومبيو أن النقاش حول إيران لم يعد مسألة ثنائية بين واشنطن وطهران، ولا خلافاً خليجياً إيرانياً فحسب. إنه ملف مركب يمس أمن الطاقة، واستقرار الدول، ومصداقية نظام عدم الانتشار النووي. وبين الخطاب السياسي والخيارات الدبلوماسية، يبقى التحدي في بناء مقاربة قابلة للتنفيذ، لا تكتفي بتشخيص الخطر، بل تحدد آليات التعامل معه ضمن إطار دولي واضح.


