Homeالرأيالسودان بين البرهان وحميدتي: حرب السلطة ومعركة الإسلام السياسي - بقلم إسحاق...

السودان بين البرهان وحميدتي: حرب السلطة ومعركة الإسلام السياسي – بقلم إسحاق هموش

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، كما لم يعد ممكناً قياس موازين القوة بعدد المدن والمواقع العسكرية التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، واستعادة الجيش الخرطوم ومناطق واسعة من وسط وشرق البلاد، مقابل استمرار الثقل العسكري والسياسي لقوات الدعم السريع في دارفور وأجزاء من كردفان، انتقلت المواجهة إلى مستوى آخر لا يقل أهمية عن ميدان القتال: معركة حول هوية السودان الذي سيخرج من هذه الحرب، وحول الطرف القادر على إقناع السودانيين والعالم بأنه يمثل الخطر الأقل والمشروع الأكثر قابلية للحياة. البرهان يقدم نفسه باعتباره قائد المؤسسة العسكرية وحامي وحدة الدولة، لكن صورته تصطدم بأسئلة متزايدة حول عودة الإسلاميين وشبكات نظام الرئيس السابق عمر البشير إلى الواجهة من بوابة الحرب، بينما يحاول حميدتي إعادة بناء صورته السياسية على أساس مختلف تماماً، مقدماً نفسه وحلفاءه باعتبارهم خصوماً للإسلام السياسي ودعاة لدولة علمانية ولا مركزية ومتعددة. وبين الروايتين تدور حرب أخرى على الشرعية وعلى مخاطبة الغرب تحديداً، في وقت لا يستطيع فيه أي من الرجلين التخلص بسهولة من إرثه أو من سجل الحرب التي غيرت السودان وربما تغير شكل الدولة نفسها.

البرهان والإسلاميون.. هل تعيد الحرب شبكات نظام البشير؟

الحديث عن عودة الإسلاميين إلى قلب المشهد السوداني لا يمكن اختزاله في الدعاية التي يستخدمها معسكر الدعم السريع ضد الجيش، لأن واشنطن نفسها انتقلت من التعبير عن القلق إلى اتخاذ إجراءات مباشرة ضد شخصيات وتشكيلات إسلامية سودانية. ففي سبتمبر/أيلول 2025 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على كتيبة البراء بن مالك وعلى جبريل إبراهيم، وقالت صراحة إن إجراءاتها تستهدف الحد من نفوذ الإسلاميين السودانيين وعلاقاتهم بإيران، وهو موقف يكشف أن المسألة أصبحت جزءاً من القراءة الأمريكية لمستقبل السودان وليس مجرد خلاف سياسي داخلي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن عبد الفتاح البرهان نفسه يقود مشروعاً إسلامياً أو أنه مجرد واجهة للإخوان المسلمين، فهذه خلاصة أكبر من الأدلة المتاحة. المسألة الأكثر تعقيداً هي أن ثلاثة عقود من حكم عمر البشير صنعت شبكات عميقة داخل الإدارة والأمن والاقتصاد والمؤسسات المختلفة، ولم يؤد سقوط رأس النظام في 2019 إلى اختفاء تلك الشبكات دفعة واحدة. وعندما انفجرت الحرب في أبريل/نيسان 2023، أصبح لدى بعض هذه القوى سبب وفرصة للعودة تحت عنوان الدفاع عن الدولة والقتال إلى جانب الجيش. وهنا تظهر المعضلة التي ستزداد أهمية كلما حقق البرهان تقدماً عسكرياً: إذا كان الإسلاميون قد ساهموا بالفعل في التعبئة والقتال، فهل يستطيع قائد الجيش الاستفادة من قوتهم في الحرب ثم منعهم من تحويل هذه المساهمة إلى نفوذ سياسي في اليوم التالي؟ أم أن الحرب التي عززت موقع البرهان قد تكون في الوقت نفسه الطريق الذي تستخدمه شبكات النظام السابق للعودة إلى الدولة؟ بالنسبة إلى الخارج، ولا سيما الولايات المتحدة، هذا السؤال لم يعد هامشياً، لأن العقوبات الأمريكية على كتيبة البراء بن مالك ربطت بصورة واضحة بين الإسلاميين السودانيين وبين مخاوف تتعلق بإيران والأمن الإقليمي، وهو ما يضع البرهان أمام معادلة شديدة الحساسية: أن ينتصر عسكرياً من دون أن يبدو انتصاره في الخارج وكأنه انتصار سياسي لعودة نظام البشير.

من أين جاءت قوة البرهان ومن يقف خلف الجيش السوداني؟

التحول الذي شهده ميزان القوة منذ المراحل الأولى للحرب لا يمكن تفسيره بعامل واحد. الجيش السوداني احتفظ بالطيران والأسلحة الثقيلة وبجزء مهم من مؤسسات الدولة، واستطاع إعادة تنظيم قواته والاستفادة من التعبئة ومن تشكيلات مسلحة تقاتل إلى جانبه، كما أصبح استخدام المسيّرات عاملاً حاسماً في طبيعة الحرب الجديدة. وفي الوقت نفسه توسعت علاقات معسكر البرهان الخارجية، وبرزت إيران وتركيا ضمن الدول التي نسجت علاقات عسكرية وسياسية متزايدة مع السودان خلال الحرب، بينما تنظر قوى إقليمية أخرى إلى بقاء المؤسسة العسكرية ووحدة الدولة باعتبارهما عنصرين أساسيين لمنع انهيار البلاد. لكن السؤال الأكثر حساسية بالنسبة إلى البرهان لم يعد فقط من يساعد الجيش على الانتصار، وإنما أي نظام سياسي سيظهر إذا انتهت الحرب لمصلحته. فالقوة العسكرية يمكن أن تعيد السيطرة على العاصمة والمدن، لكنها لا تمنح تلقائياً شرعية سياسية دولية، خصوصاً عندما توجد مخاوف من عودة قوى النظام السابق. ولهذا فإن معركة البرهان المقبلة قد تكون أصعب من معركة الخرطوم نفسها: إقناع العالم بأن استعادة الجيش للدولة لا تعني استعادة الإسلاميين للدولة، وأن المؤسسة العسكرية تستطيع في مرحلة ما بعد الحرب الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى منطق سياسي يسمح بقيام حكم مدني حقيقي. فإذا نجح في ذلك، يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره الرجل الذي حافظ على وحدة السودان؛ أما إذا التصقت صورته بصورة الإسلاميين والنظام القديم بصورة يصعب فصلها، فإنه سيمنح خصمه أقوى ورقة سياسية يمكن أن يحصل عليها أمام الخارج.

حميدتي يكتشف نقطة ضعف خصمه: ورقة محاربة الإسلام السياسي

في الجهة المقابلة، يبدو محمد حمدان دقلو واعياً تماماً بحجم القلق الذي تثيره عودة الإسلاميين في بعض العواصم الغربية، ولهذا أصبحت مواجهة الإسلام السياسي جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي لمعسكر الدعم السريع. لم يعد حميدتي يريد أن يُنظر إليه باعتباره قائد قوة عسكرية تقاتل الجيش فقط، بل يسعى إلى وضع قواته داخل مشروع سياسي أوسع يتحدث عن العلمانية واللامركزية والتعدد وإنهاء هيمنة المركز وبناء «سودان جديد». وتحالف «تأسيس» والمؤسسات الموازية التي أقامها معسكره ليست منفصلة عن هذه الاستراتيجية؛ فهي محاولة للانتقال من صورة القوة المسلحة إلى صورة المشروع السياسي الذي يمتلك تصوراً لشكل الدولة. وهذه اللغة تخاطب مباشرة أحد المخاوف الموجودة في الغرب: احتمال أن تؤدي الحرب إلى إعادة القوى الإسلامية المرتبطة بعهد البشير إلى قلب السلطة. وهنا يمتلك حميدتي ورقة سياسية حقيقية، لكن من الضروري فهم حدودها. القول إن خطابه يتقاطع مع هواجس غربية موثقة تجاه الإسلام السياسي شيء، والقول إن الغرب أصبح مؤيداً للدعم السريع شيء آخر تماماً. الولايات المتحدة أعلنت رسمياً أنها لا تؤيد أياً من طرفي الحرب، وفرضت عقوبات على حميدتي ثم على البرهان بفارق أيام في يناير/كانون الثاني 2025. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن كل ظهور أقوى للإسلاميين إلى جانب الجيش يمنح حميدتي فرصة إضافية ليقول للخارج إن الصراع ليس مجرد حرب على السلطة، وإنما معركة لمنع إعادة إنتاج الدولة القديمة. إنها محاولة ذكية لتغيير السؤال: بدلاً من أن يبقى النقاش الدولي محصوراً في «ماذا فعل الدعم السريع خلال الحرب؟»، يريد معسكر حميدتي أن يصبح السؤال أيضاً «ماذا سيحدث للسودان إذا انتصر البرهان وعادت معه القوى الإسلامية؟».

الغرب والإسلام السياسي.. نقطة التقاطع التي يحاول حميدتي استثمارها

هنا توجد واحدة من أكثر مفارقات الحرب السودانية تعقيداً. الغرب لا يمنح حميدتي صك براءة، ولا يوجد أساس مهني للقول إن الولايات المتحدة أو الغرب تبنيا قوات الدعم السريع باعتبارها الخيار السياسي للسودان، لكن هناك في المقابل أساس قوي للقول إن مواجهة عودة الإسلام السياسي أصبحت جزءاً معلناً من السياسة الأمريكية تجاه البلاد. العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر/أيلول 2025 على قوى إسلامية سودانية استندت صراحة إلى الرغبة في الحد من نفوذ الإسلاميين ومواجهة علاقاتهم بإيران، وهذه نقطة بالغة الأهمية لفهم حسابات حميدتي. فهو لا يحتاج بالضرورة إلى إقناع العواصم الغربية بأنها تحبه أو تثق به؛ يكفيه سياسياً أن يقنعها بأن انتصار خصمه قد يفتح الباب أمام خطر تعتبره هي نفسها خطراً. ومن هنا يحاول تحويل معاداة الإسلام السياسي إلى رأسمال سياسي خارجي، مستخدماً خطاب الدولة العلمانية والتعدد واللامركزية لإعادة تعريف موقعه في الصراع. لكن هذه الاستراتيجية تصطدم بمفارقة لا يستطيع حميدتي التخلص منها: كلما حاول أن يقدم نفسه باعتباره جزءاً من الحل السياسي، أعاده سجل قواته في الحرب إلى قلب المشكلة. ولذلك فإن المعركة الدبلوماسية الحقيقية ليست حول من يحبه الغرب، وإنما حول من يستطيع إقناع الغرب بأن خصمه أكثر خطورة منه. البرهان يقول إن البديل عن الجيش هو تفكك الدولة وهيمنة قوة مسلحة موازية، وحميدتي يقول إن انتصار الجيش قد يعيد الإسلاميين وشبكات النظام السابق. وبين الرسالتين لا يبحث الغرب بالضرورة عن «رجل السودان»، بل يحاول ترتيب مجموعة من المخاطر المتداخلة: الإسلام السياسي، انهيار الدولة، الفظائع ضد المدنيين، التقسيم، عدم استقرار البحر الأحمر، تدفقات اللاجئين، وتحول السودان إلى ساحة مفتوحة لصراعات إقليمية ودولية.

حميدتي أمام الاختبار الأصعب: هل تكفي محاربة الإسلام السياسي لصناعة رجل سلام؟

المشكلة التي تواجه استراتيجية حميدتي أن معارضة الإسلام السياسي ليست في حد ذاتها شهادة ديمقراطية، كما أن الحديث عن العلمانية والتعدد والتعايش لا يستطيع وحده إلغاء ما حدث خلال الحرب. ففي يناير/كانون الثاني 2025 خلصت الولايات المتحدة رسمياً إلى أن عناصر من قوات الدعم السريع وميليشيات متحالفة معها ارتكبت إبادة جماعية في السودان، بعدما كانت قد خلصت سابقاً إلى ارتكاب عناصر من الدعم السريع والجيش السوداني جرائم حرب، وإلى ارتكاب عناصر من الدعم السريع وميليشيات متحالفة معها جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي. وعلى هذا الأساس فرضت واشنطن عقوبات على حميدتي. وبعد تسعة أيام فرضت عقوبات على البرهان أيضاً، وقالت إن عناصر من القوات المسلحة ارتكبت جرائم حرب وإن قوات تحت قيادته استهدفت مدنيين وبنى مدنية وعرقلت وصول المساعدات، وأكدت أن أياً من الرجلين، في نظرها، لا يصلح لقيادة سودان سلمي في المستقبل. وهذه الدقة ضرورية لأن الأمر لا يتعلق بـ«حكم أممي على الرجلين»، بل بتحديدات قانونية وعقوبات أمريكية وتقارير وتحقيقات دولية متعددة. بالنسبة إلى حميدتي، تكمن المعضلة في أنه يستطيع أن يقول للغرب إنه يحارب الإسلام السياسي، لكنه لا يستطيع أن يطلب منه نسيان دارفور والفظائع المنسوبة إلى قواته. ولذلك فإن مشروع إعادة تقديم نفسه كرجل سلام أو كحامل لمشروع السودان الجديد سيظل رهين قدرته على الإجابة عن سؤال لا يقل صعوبة عن سؤال الإسلاميين الموجه إلى البرهان: كيف يمكن لقوة تواجه اتهامات بهذه الخطورة أن تتحول إلى حامل موثوق لمشروع ديمقراطي ومدني؟

البرهان أمام معضلة معاكسة: الانتصار العسكري لا يكفي لصناعة الشرعية

وإذا كان حميدتي يعاني من ثقل سجل الدعم السريع، فإن البرهان يواجه معضلة من نوع آخر. فكل انتصار عسكري للجيش يعزز صورته باعتباره القوة القادرة على إعادة توحيد الدولة، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التدقيق في القوى التي ساعدته وفي شكل السلطة التي يريد بناءها بعد الحرب. الولايات المتحدة فرضت عليه عقوبات في يناير/كانون الثاني 2025 واتهمت قوات تحت قيادته بارتكاب انتهاكات وعرقلة الانتقال السياسي، وأكدت في الوقت نفسه أنها لا ترى حميدتي بديلاً صالحاً عنه. لذلك يمتلك البرهان فرصة سياسية كبيرة إذا استطاع الفصل بصورة مقنعة بين المؤسسة العسكرية وبين مشروع عودة الإسلاميين، لكنه يواجه خطراً كبيراً إذا تحولت القوى التي تقاتل معه إلى شريك سياسي لا يمكن تجاوزه بعد الحرب. المفارقة هنا أن البرهان قد يحتاج إلى بعض هذه القوى كي ينتصر، لكنه قد يحتاج أيضاً إلى إبعادها عن مركز السلطة لكي يصبح انتصاره مقبولاً دولياً. ومن هنا يمكن فهم المعركة المقبلة باعتبارها ليست فقط معركة بين الجيش والدعم السريع، وإنما معركة داخل معسكر الدولة نفسها حول من سيملك حق تشكيل اليوم التالي للحرب.

ليست حرباً بين «إسلامي» و«علماني».. بل حرب على تعريف الخطر الأكبر

اختزال الصراع السوداني في مواجهة بين برهان «إسلامي» وحميدتي «علماني» سيكون تبسيطاً مضللاً. حول الجيش توجد بالفعل قوى إسلامية وشبكات مرتبطة بالنظام السابق، لكن ذلك لا يثبت أن كل مشروع القوات المسلحة أصبح مشروعاً إسلامياً. وفي الجهة الأخرى يتبنى معسكر حميدتي رسمياً خطاب العلمانية واللامركزية ومحاربة الإسلام السياسي، لكن ذلك لا يحول الدعم السريع تلقائياً إلى قوة ديمقراطية. الأكثر دقة أن السودان يشهد اليوم حرباً على تعريف الخطر الأكبر: هل الخطر هو انهيار الجيش والدولة وظهور سلطات عسكرية متعددة؟ أم عودة الإسلاميين من بوابة انتصار الجيش؟ هل الخطر هو تقسيم البلاد بين سلطتين وجيشين؟ أم إعادة إنتاج الدولة المركزية القديمة؟ وهل يستطيع السودانيون أصلاً الخروج من هذه الثنائية؟ هذه الأسئلة هي التي تمنح الصراع بعده الدولي، لأن القوى الغربية لا تنظر إلى السودان من زاوية أيديولوجية واحدة، بل من خلال مجموعة مصالح ومخاوف تتعلق بالأمن الإقليمي والبحر الأحمر والهجرة والإرهاب والانتهاكات الإنسانية والاستقرار السياسي. ولذلك يستطيع حميدتي أن يجد من يستمع عندما يتحدث عن خطر الإسلاميين، مثلما يستطيع البرهان أن يجد من يستمع عندما يتحدث عن خطر تفكيك الدولة، لكن الاستماع إلى رواية أحدهما لا يعني تبنيها بالكامل.

كردفان والمسيّرات.. الحرب تنتقل إلى مرحلة أكثر خطورة

بينما يخوض الطرفان حرب الشرعية هذه، تستمر الحرب الحقيقية على الأرض في التحول. بعد استعادة الجيش الخرطوم، انتقل مركز الثقل بصورة متزايدة نحو كردفان، المنطقة التي تربط وسط السودان بغربه والتي يمكن أن يحدد ميزان القوة فيها قدرة الجيش على مواصلة التقدم نحو مناطق نفوذ الدعم السريع أو قدرة الدعم السريع على الحفاظ على كتلة جغرافية واسعة في الغرب. وفي الأيام الأخيرة من أغسطس/آب 2026 عادت المسيّرات لتؤكد أنها أصبحت من أهم أسلحة المرحلة الجديدة؛ فقد قُتل ثمانية مدنيين وأصيب العشرات في ضربات في شمال كردفان، بحسب مجموعة «محامو الطوارئ»، بينما تشير بيانات أممية أوردتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن المسيّرات أصبحت مسؤولة عن نسبة كبيرة جداً من وفيات المدنيين المسجلة خلال الأشهر الأولى من 2026. وهذا التحول مهم لأنه يعني أن الحرب لم تعد تحتاج دائماً إلى السيطرة المباشرة على الأرض لإيذاء الخصم؛ يمكن للطرفين ضرب مناطق بعيدة واستهداف قدرته على إدارة الحياة والبنية التحتية والاقتصاد. وبذلك تتحول كردفان إلى أكثر من جبهة عسكرية: إنها المنطقة التي قد يتحدد فيها ما إذا كان السودان يتجه نحو إعادة توحيد بالقوة، أم نحو ترسيخ واقع جغرافي وسياسي منقسم.

واشنطن تعيد الضغط.. ولا براءة لأي من الطرفين

وفي أحدث تطور دولي، دفعت الولايات المتحدة في أغسطس/آب 2026 نحو تشديد العقوبات الأممية وتوسيع حظر السلاح القائم في دارفور ليشمل السودان بأكمله، بما في ذلك المسيّرات والتكنولوجيا المرتبطة بها، فيما حذرت واشنطن من أن استمرار التمويل والدعم العسكري الخارجي يسمح باستمرار الحرب. البرهان رفض التهديد بالعقوبات وأكد استمرار العمليات ضد قوات الدعم السريع. هذه التطورات تكشف أن المجتمع الدولي لم يصل إلى مرحلة اختيار المنتصر الذي يريد التعامل معه، بل ما زال يحاول الضغط على الطرفين للوصول إلى تسوية. وهذا مهم جداً عند تحليل محاولة حميدتي الاستفادة من ورقة الإسلام السياسي: الغرب قد يشاركه القلق من عودة القوى الإسلامية، لكنه لا يمنحه بسبب ذلك حصانة سياسية؛ كما أنه قد يرى في الجيش مؤسسة ضرورية لوحدة الدولة، لكنه لا يمنح البرهان بسبب ذلك تفويضاً مفتوحاً لحكم السودان. هذه المسافة بين المصالح الغربية وبين الرجلين هي المساحة التي تدور فيها اليوم واحدة من أهم المعارك السياسية غير المرئية في الحرب.

البرهان وحميدتي.. خصمان خرجا من السلطة نفسها

وسط كل محاولات الطرفين تقديم نفسيهما باعتبار كل واحد منهما نقيض الآخر، تبقى حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها: عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو لم يبدآ هذه المرحلة كعدوين. كان الرجلان جزءاً من بنية السلطة التي تشكلت بعد سقوط عمر البشير، وشاركا معاً في انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021 الذي أطاح بالشراكة المدنية الانتقالية، قبل أن تنفجر الخلافات بين الجيش والدعم السريع وتتحول إلى حرب مفتوحة في أبريل/نيسان 2023. واليوم يقدم البرهان نفسه باعتباره حامي الدولة من قوة تهدد وجودها، بينما يقدم حميدتي نفسه باعتباره خصماً للنظام القديم والإسلام السياسي وحاملاً لمشروع سودان جديد. لكن هذه الثنائية تخفي سؤالاً ربما يكون أهم من الرجلين معاً: أين المشروع المدني الذي خرج السودانيون من أجله إلى الشوارع؟ وهل أصبح مستقبل بلد كامل محصوراً فعلاً بين مؤسسة عسكرية تخشى قطاعات واسعة من السودانيين أن تعيد معها نفوذ النظام السابق، وقوة مسلحة تحاول تحويل سيطرتها العسكرية إلى مشروع سياسي جديد؟

السودان بعد الحرب.. من يستطيع إقناع العالم بأن خصمه هو الخطر الأكبر؟

هذه ربما هي الخلاصة الأكثر دقة لما وصلت إليه الحرب السودانية اليوم. البرهان يزداد قوة عسكرياً، لكن كلما ازدادت قوة الجيش أصبحت علاقته بالإسلاميين أكثر حساسية سياسياً، لأن السؤال الدولي سيتحول تدريجياً من كيفية إنهاء الدعم السريع إلى طبيعة النظام الذي سيحكم بعد ذلك. وحميدتي، في المقابل، يحاول تحويل عدائه للإسلام السياسي إلى رأسمال سياسي في الخارج، لكنه يصطدم في كل مرة بسجل الدعم السريع والاتهامات الخطيرة الموجهة إلى قواته. الأول يريد أن يقول للعالم: أنا الدولة، والبديل عني هو التفكك. والثاني يريد أن يقول: أنا أواجه الدولة القديمة والإسلام السياسي، والبديل عني هو عودة نظام البشير. وبين الروايتين لا يزال ملايين السودانيين يبحثون عن خيار ثالث لا يعيد النظام القديم ولا يجعل السلاح أساساً لشرعية النظام الجديد. ولذلك ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو من سينتصر، البرهان أم حميدتي، وإنما من سينجح في إقناع العالم بأن خصمه يمثل الخطر الأكبر، وهل يستطيع السودانيون قبل نهاية هذه الحرب أن يعيدوا فرض سؤال أكثر أهمية من الرجلين معاً: أي دولة يريدون هم أن تقوم عندما تصمت البنادق؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا