Homeالثقافةالإسلام السياسي والديمقراطية الليبرالية: هل يمكن التوفيق بين مرجعيتين مختلفتين؟ - بقلم...

الإسلام السياسي والديمقراطية الليبرالية: هل يمكن التوفيق بين مرجعيتين مختلفتين؟ – بقلم إسحاق هموش

قراءة في كتاب لحسن حموش «الإسلام السياسي والديمقراطيات الليبرالية – جذور تعارض وجودي»

في كتابه «الإسلام السياسي والديمقراطيات الليبرالية – جذور تعارض وجودي»، يقترب الصحفي والباحث لحسن هموش من واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش السياسي والفكري المعاصر: العلاقة بين الإسلام السياسي والنموذج الديمقراطي الليبرالي، ولا سيما داخل المجتمعات الغربية والأوروبية.

لا ينطلق الكتاب من سؤال بسيط حول الإسلام بوصفه دينًا، ولا يضع المسلمين في مواجهة مع الديمقراطية. فموضوعه أكثر تحديدًا: الإسلام السياسي باعتباره مشروعًا يسعى إلى تحويل المرجعية الدينية إلى تصور لتنظيم المجتمع والسلطة والقانون، في مقابل الديمقراطية الليبرالية التي تجعل حرية الفرد والتعددية السياسية والمساواة وسيادة القانون من أسس النظام العام.

ومن هنا يأتي السؤال المركزي الذي يخترق الكتاب: ماذا يحدث عندما تلتقي منظومتان تختلفان في تصورهما لمصدر الشرعية، ولحدود الدين والسياسة، ولحرية الفرد ومكانته داخل المجتمع؟

الإسلام شيء والإسلام السياسي شيء آخر

من النقاط الضرورية لفهم أطروحة الكتاب التمييز بين الإسلام كدين وعقيدة وحضارة وبين الإسلام السياسي كمشروع أيديولوجي وسياسي.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، خصوصًا في السياق الأوروبي، حيث يتحول النقاش أحيانًا بسرعة إلى مواجهة هوياتية بين «الإسلام» و«الغرب». لكن الإشكالية التي يطرحها الكتاب لا تتعلق بحق المسلم في ممارسة دينه، وهو حق تضمنه الديمقراطية الليبرالية نفسها، بقدر ما تتعلق باللحظة التي تنتقل فيها العقيدة من المجال الديني والشخصي إلى مشروع سياسي يطالب بإعادة تنظيم المجتمع أو القانون وفق مرجعية دينية.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: الديمقراطية الليبرالية تحمي حرية الاعتقاد، بما في ذلك حرية المسلم في ممارسة إسلامه، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بحماية حرية من يؤمن ومن لا يؤمن، ومن يغيّر معتقده، ومن ينتقد الدين، ومن يرفض الخضوع لقاعدة دينية لا يؤمن بها.

وهذه الحدود هي التي تجعل العلاقة بين الإسلام السياسي والديمقراطية الليبرالية أكثر تعقيدًا من مجرد شعار «التعايش».

أين يبدأ التعارض؟

الديمقراطية ليست مجرد انتخابات وصناديق اقتراع. ففي النظام الليبرالي، لا تستطيع الأغلبية أن تفعل كل ما تريد لمجرد أنها أغلبية.

هناك حقوق وحريات أساسية ينبغي ألا تصبح رهينة لموازين القوى الانتخابية: حرية الضمير والتعبير، المساواة أمام القانون، حقوق النساء والأقليات، والتعددية السياسية والفكرية.

أما عندما تصبح المرجعية الدينية مصدرًا أعلى لتنظيم السياسة والمجتمع، فإن السؤال يصبح مختلفًا: لمن تكون الكلمة الأخيرة عندما تتعارض قاعدة دينية مع حق فردي تكفله الدولة الديمقراطية؟

هل تكون السيادة للمواطن والقانون الذي يصنعه المجتمع من خلال مؤسساته الديمقراطية؟ أم توجد قواعد دينية تعتبر أعلى من إرادة المشرّع نفسه؟

في هذا التقاطع تحديدًا يبحث الكتاب عن جذور ما يسميه «التعارض الوجودي».

أوروبا مختبر لهذه المواجهة

يحمل الكتاب أيضًا أهمية خاصة لأنه يصدر عن كاتب يعيش بالقرب من الواقع الأوروبي ومؤسساته ونقاشاته السياسية والثقافية.

فالقضية في أوروبا لم تعد نظرية. الهجرة، والاندماج، والهوية، والعلمانية، والحجاب، وحرية التعبير، والتعليم، ومكانة المرأة، والتطرف، وصعود الحركات الشعبوية واليمينية؛ كلها ملفات جعلت العلاقة بين الدين والديمقراطية موضوعًا حاضرًا بصورة شبه دائمة في النقاش العام.

لكن أحد المخاطر الكبرى هو اختزال هذه القضايا في مواجهة بين المسلمين وغير المسلمين.

فالمسلم الأوروبي ليس بالضرورة إسلاميًا، كما أن الدفاع عن حقوق المسلمين لا يعني قبول مشروع الإسلام السياسي. وفي الاتجاه المقابل، فإن نقد الإسلام السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للإسلام أو إلى تشكيك جماعي في المواطنين المسلمين.

وهذا التفريق يسمح بطرح السؤال السياسي الحقيقي بعيدًا عن التعميم والخوف المتبادل.

هل التعايش ممكن؟

على الرغم من العنوان الحاد للكتاب، فإن القضية التي يثيرها لا تنتهي عند إعلان استحالة اللقاء.

بل تدفع القارئ إلى التفكير في شروط التعايش: هل يمكن بناء فضاء سياسي مشترك بين أشخاص يحملون عقائد وهويات مختلفة، من دون مطالبة أي طرف بالتخلي عن هويته، ومن دون السماح في الوقت نفسه لأي عقيدة بأن تفرض نفسها على الجميع؟

قد تكون الإجابة الليبرالية هي أن التعايش يصبح ممكنًا عندما تكون المواطنة هي القاعدة المشتركة.

للمسلم أن يكون مسلمًا، وللمسيحي أن يكون مسيحيًا، ولليهودي أن يكون يهوديًا، ولغير المؤمن أن يعيش من دون عقيدة دينية. لكن الدولة لا تمنح أحدًا منهم حق فرض معتقده على الآخر.

بهذا المعنى، لا تعني الديمقراطية الليبرالية محاربة الدين، وإنما وضع قاعدة يستطيع في ظلها المختلفون أن يعيشوا معًا.

كتاب يفتح نقاشًا لا يغلقه

قيمة «الإسلام السياسي والديمقراطيات الليبرالية» تكمن في أنه يتناول سؤالًا سيبقى حاضرًا لسنوات طويلة، خصوصًا في أوروبا والعالم العربي: كيف يمكن التوفيق بين الانتماء الديني ومتطلبات المواطنة الحديثة؟ وأين تنتهي حرية الاعتقاد ويبدأ المشروع السياسي؟

إنها أسئلة لا يمكن حلها بالشعارات، سواء كانت شعارات الإسلام السياسي أو شعارات الخوف من الإسلام.

وإذا كان الكتاب يتحدث عن جذور «تعارض وجودي»، فإنه يدفع في الوقت ذاته إلى التفكير في إمكانية تجاوز الصدام من خلال وضوح القواعد: حرية الدين، وحرية نقد الدين، والمساواة أمام القانون، وحرية الفرد، ودولة لا تفرض عقيدة على مواطنيها.

وفي زمن تتزايد فيه الاستقطابات بين الهويات الدينية والسياسية، يصبح النقاش حول هذه الحدود أكثر من نقاش فكري. إنه نقاش حول أي مجتمع نريد أن نعيش فيه، وكيف يمكن لأشخاص مختلفين جذريًا في معتقداتهم أن يتقاسموا فضاءً سياسيًا واحدًا من دون أن يتحول اختلافهم إلى صراع دائم

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا