تفجير في مكان بعيد تم تصويره لبضعة ثوان، هذا ما نراه في مقطع فيديو تم نشره في يوم 16 تموز/ يوليو على تطبيق تلغرام يوثق ضربة إيرانية على الكويت. وتم تصويره من مدينة أم القصر الحدودية في العراق وتم التأكد من مكان تصوير الفيديو من قبل فريق تحرير مراقبون.
منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، لم تكف الجمهورية الإسلامية عن الرد على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. فقد قامت باستهداف مواقع عسكرية أمريكية في دول الخليج العربية على غرار البحرين والكويت وقطر والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى الأردن التي تحتضن جميعها قواعد عسكرية أمريكية.
إلا أن الصور التي توثق هذه الضربات تم تصويرها بشكل أفقي من مكان بعيد. أما على عين المكان، ومهما كان البلد، فتتم ممارسة سياسة قمع تتمثل في معاقبة كل من يحاول توثيق أثر الضربات التي تشنها طهران. ومنذ الأيام الأولى من الحرب، تمت ممارسة قمع كبير على السكان والصحفيين ولكن أيضا السياح والمقيمين.
وفق منظمة العفو الدولية، فقد تم إيقاف ما يزيد عن ألف شخص في كل دول الخليج العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
“دول الخليج تستخدم الحرب كذريعة لزيادة القيود على حرية التعبير”
محمد شلبي هو باحث مختص في شؤون المنظمة في منظمة العفو الدولية يوضح قائلا:
منذ بداية الحرب، أصدرت دول الخليج العربية تحذيرات شملت المواطنين والمقيمين نبهت فيها من مغبة تصوير أو نشر صور للهجمات الإيرانية. ومن ثم أطلقت السلطات في هذه الدول حملة قمع. إنها تقوم باستخدام الحرب كذريعة لزيادة القيود على حرية التعبير التي كانت أصلا مفروضة قبل بدء الحرب.
على سبيل المثال، بين يوم 20 و26 أيار /مايو الماضي، تم إيقاف ما يزيد عن 300 شخص فقط في البحرين. وصدر حكم بالسجن على 34 شخصا منهم لمدة تتراوح بين 3 و 10 سنوات وذلك بسبب نشر صورة أو مقطع فيديو على تطبيق إنستغرام، وفق ما أكدته منظمات محلية للدفاع عن حقوق الإنسان.
أما في الكويت، فقد صدرت أحكام ضد أكثر من 200 شخص بين شهرين نيسان/ أبريل وأيار/ مايو الماضيين منها عقوبات مع تأجيل التنفيذ وأخرى وصلت لأحكام بالسجن من سنة إلى 10 سنوات.
في الإمارات العربية المتحدة، أعلنت السلطات إيقاف 375 شخصا في شهر آذار/مارس الماضي. كما أننا لاحظنا أيضا بأن الشرطة الأمريكية تقوم بمداهمات على البيوت وتتثبت في محتويات الهواتف في المناطق التي شملها هجمات الطائرات المسيرة. إلا أننا لا نملك سوى معلومات قليلة حول الوضع القانوني للأشخاص المعتقلين في الإمارات.
وصل القمع في الكويت والبحرين إلى حد سحب الجنسية. إذ قامت البحرين بسحب الجنسية من 69 شخصا، وفق ما أكدته السلطات وذلك على خلفية “تعاطفهم مع الهجمات الإيرانية أو تعاونهم مع أطراف أجنبية”. ومن جهتها، أعلنت الكويت أيضا عن قيامها بسحب الجنسية من أكثر من ألف شخص دون تقديم أسباب لهذا القرار.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الدول تملك الحق في تعليق بعض الحقوق في زمن النزاع المسلحة، فإن هذه الإجراءات يجب أن تحترم القواعد الدولية في مجال حقوق الإنسان خصوصا فيما يتعلق بمبدأ المساواة وضرورة التدرج فيها. إلا أن حالات المنع المعممة التي فرضتها دول الخليج تجاوزت هذه الضوابط وتبقى غير متطابقة مع القانون الدولي.
صور أقمار اصطناعية وسحب دخان للتأكد من الضربات
واتبعت كل من الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والأردن نهجا رسميا واحدا تؤكد فيه جميعها أنها تصدت للضربات على الرغم من وجود أدلة تؤكد عكس ذلك قبل أن تبدأ بعضها مؤخرا تأكيد بعض الضربات.
ووجدت المؤسسات المتخصصة في صور الأقمار الاصطناعية نفسها ممنوعة من نشر صور حديثة لهذه الدول وذلك بقرار من الولايات المتحدة الأمريكية.
وهو الأمر الذي جعل الصحفيين والباحثين مجبرين على الاعتماد على بعض مقاطع الفيديو النادرة والقصيرة التي يتم نشرها على شبكة الإنترنت رغم المخاطر، وعلى شركات أقمار اصطناعية أوروبية تقدم صورا ذات جودة ضعيفة على غرار شركة سونتينال 2 وعلى صور أقمار اصطناعية إيرانية بالإضافة غإلى صورة توفرها بعض الشركات الصينية.
وبات هذا العمل أصعب بكثير في الفترة الأخيرة، إلا أن يسمح بتفنيد الروايات الرسمية في دول المنطقة.
إذ أعلنت الحكومة في البحرين على سبيل المثال في يوم 10 حزيران/يونيو الماضي أنها تمكنت من “اعتراض عدة هجمات جوية إيرانية” في محاولة منها لإظهار استعدادها الدفاعي الجيد لحماية المملكة. إلا أن صور واضحة، ذات جودة رديئة، كانت كافية لتحديد موقع ضربة على موقع رادار أمريكي مهم يقع على جبل الدخان في البحرين، وقد تمكن فريق تحرير مراقبون فرانس 24 من التأكد من موقعه.
via GIPHY
تُظهر صورة القمر الصناعي على اليمين، والتي التقطت في 12 تموز/يوليو، أضرارًا جسيمة لحقت بمبنى في قاعدة العديد الجوية مقارنة بصورة لنفس المبنى التقطت في 7 تموز/يوليو. ولم تؤكد الحكومة القطرية أو البنتاغون رسمياً وقوع الضربة، ولم تُنشر أي صور أرضية.
مثال آخر من البحرين: في 11 تموز/يوليو، ادّعت الحكومة البحرينية، مدعومة بصور، أنها اعترضت صواريخ وطائرات مسيّرة، لكن انتشار صورة ومقطع فيديو على تطبيق تيليجرام في اليوم نفسه أظهرا طريقًا يتصاعد منه دخان أسود في الأفق. وقد حدّد فريق التحرير الموقع الجغرافي للمصدر: إنها القاعدة العسكرية الأمريكية في العيسى، البحرين. وبالتالي، فهذه هي نتائج هجوم إيراني، على عكس ادعاءات السلطات.
كما أن صورة أخرى تم التقاطها في يوم 11 حزيران/ يونيو الماضي، على بعد نحو 18 كلم من قاعدة العيسى الجوية الأمريكية، دائما في البحرين، بالقرب من جسر وبئر نفط وطريق رئيسي وطريق ثانوي.
وتمكن فريق تحرير مراقبون فرانس 24 من التأكد من حدوث هذا الهجوم من خلال اندلاع حريق تم رصده في قاعدة العيسى وفق ما رصدته صور أقمار اصطناعية متخصصة في الحرائق والتي تتبع وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، بالإضافة إلى صورة قمر اصطناعي بجودة ضعيفة تابع لشركة سونتينال 2 في نفس اليوم. كما وثق مقطع فيديو قصير أيضا تم التقاطه على الأرض نفس هذا الحادث.
À lire aussi
اقرأ أيضاالحرب في الشرق الأوسط: لماذا تستهدف إيران محطات تحلية المياه في الكويت؟
“دول الخليج تريد الحفاظ على صورتها كملاذ آمن”
هنا، يعود محمود شلبي ليقول:
أعتقد بأنه هناك عدة أسباب تجعل هذه الدول تريد التقليل من تأثير هذه الضربات.
منذ بداية الحرب، استخدم بعض الأشخاص في هذه الدول مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لانتقاد وجود القواعد العسكرية الأمريكية بحجة أن الهجمات ضد هذه الدول كان سببها وجود هذه القواعد. وبالتالي فإن إخفاء أثر هذه الضربات يعد وسيلة لحكومات هذه الدول لرد هذه الحجة.
أما السبب الثاني فيتمثل في أنه من المهم جدا بالنسبة إلى دول الخليج العربية الحفاظ على صورة ناصعة كملاذ آمن ووجهة محببة للاستثمارات الأجنبية والسياحة. وهو يجلعها مجبرة على التقليل أو منع المعلومات بشأن آثار هذه الضربات.
كما أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحاول من جانبها أيضا التقليل من حجم الضربات الإيرانية على قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط. كما أن الولايات المتحدة لم تكشف عن العدد الحقيقي للجنود الأمريكيين الذين أصيبوا بجروح خلال هذه الحرب.


