Homeالقضاءالحرب في الشرق الأوسط: لماذا تستهدف إيران محطات تحلية المياه في الكويت؟

الحرب في الشرق الأوسط: لماذا تستهدف إيران محطات تحلية المياه في الكويت؟

 

دوت صفارات الإنذار وتزايدت المخاوف بشأن إمدادات المياه في بلد يعاني أصلا من أزمة جفاف حادة. فقد شنت إيران مجددا هذا الأسبوع هجمات جديدة على الكويت، استهدفت مرافق توليد الكهرباء ومحطات تحلية المياه، مما تسبب في اندلاع حرائق.

 

اقرأ أيضاالقواعد الأمريكية تتعرض لهجمات إيرانية: “الأردن أصبح هدفا مفضّلا لطهران”

 

ولمواجهة الوضع القائم، طالبت السلطات الكويتية السكان بترشيد استهلاك الكهرباء، لا سيما أجهزة التكييف المستهلكة للطاقة بشكل كبير والتي لا يمكن الاستغناء عنها في هذا البلد الحار، وهو ما يمكن أن يضمن استمرار التزود بالكهرباء. 

قلق بشأن المياه في منطقة صحراوية جافة

لقد سبق، وتعرضت محطات تحلية المياه في الكويت وفي البحرين في شهر آذار/مارس الماضي لضربات إيرانية، غير أن استهداف مرافق تحلية المياه هذه المرة في أوج فصل الصيف، يجعل الضربة الإيرانية موجعة بشكل خاص للكويت.

فهذه الدولة الخليجية الواقعة في منطقة يقلّ منسوب المياه المتاحة فيها بعشرة أضعاف عن المعدل العالمي، تعتمد بنسبة تقارب 90% في تأمين مياهها العذبة على تحلية مياه البحر.

وما يزيد الأمور تعقيدا، أن عمليتي إنتاج الكهرباء وتحلية المياه في الكويت تقعان غالبا في المكان ذاته عبر تقنية التوليد المزدوج. وهو ما يتيح لإيران، بهجمة واحدة، إمكانية حرمان البلاد من الماء والكهرباء ما يتسبب في دخول في ظلام دامس.

وتبرر طهران هذه الهجمات بالوجود العسكري للولايات المتحدة في البلاد، إذ تحتضن الكويت، مع وجود نحو 13 ألف جندي أمريكي على أراضيها، واحدة من أكبر القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

كما “تدفع الكويت أيضا ضريبة موقعها الجغرافي”، بحسب ما يوضحه الدكتور في الجغرافيا السياسية رافائيل لوماغواريك. فموقعها على بعد بضع مئات من الكيلومترات فقط عن الأراضي الإيرانية، يجعل منها “هدفا سهلا” لإيران، التي يمكنها بذلك ضرب البلاد بتكلفة منخفضة ودون الحاجة إلى اللجوء إلى تقنيات متطورة، وفق ما أضافه مؤلف كتاب “جيوسياسية دول الخليج”.

اقرأ أيضاترامب يهدد إيران بقصف منشآت مدنية إذا استهدفت السفن في هرمز

ولا يختلف الجيش الأمريكي عن هذه المعادلة، إذ سبق لطهران أن اتهمت واشنطن، التي تنفي هذا الاتهام، باستهداف منشأة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية يوم 7 آذار/مارس. وفي 18 تموز/يوليو، أسفرت غارات أمريكية عن تدمير محطة لتحلية المياه في منطقة “بونجي” القريبة من ميناء جاسك، فضلا عن إلحاق أضرار بموقع آخر في جزيرة قشم، ما أدى إلى قطع مياه الشرب عن قرابة 10 آلاف نسمة يقطنون في نحو عشرين قرية، بحسب ما أفاد به التلفزيون الرسمي الإيراني.

يرى بيير بلان، أستاذ الجغرافيا السياسية في كلية بوردو للعلوم الزراعية وجامعة العلوم السياسية في بوردو، أن هذا النوع من الحروب “غير مسبوق في المنطقة”، لكنه كان متوقعًا.

ويوضح الباحث أن “نقطة الضعف الكبرى في منظومة إمدادات المياه تكمن في اعتمادها على عدد محدود من محطات التحلية، وهي منشآت بالغة الأهمية.

ومع ذلك، فنحن لسنا بصدد “حرب المياه” التي يتم الحديث عنها “بشكل مبالغ” فيه، مثلما يوضح بيير بلان، فالحصول على الماء ليس هو المحرك الأساسي لهذه المواجهات، بل يتعلق الأمر بالأحرى بـ “حرب وسيلتها الماء”

مهاجمة الكويت لأنها عاجزة عن الرد

يشير كليمان تيرم، الباحث المشارك في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، إلى أن وسائل الإعلام الإيرانية كانت قد أعلنت عن استهداف هذا النوع من البنى التحتية منذ نهاية كانون االثاني/ يناير 2026..

وبعد معاناة الكويت من صدمة حرب الخليج، ظلت بعيدة عن التحالفات الجيوسياسية الكبرى في المنطقة. وعارضت أسرة آل الصباح الحاكمة التطبيع مع إسرائيل، وتجنبت أي خطاب تهديدي تجاه طهران، على عكس العديد من جيرانها.

ومع ذلك، تعرضت الكويت لحوالي 1400 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية منذ شباط/فبراير، مما يجعلها الدولة الأكثر استهدافا بعد الإمارات العربية المتحدة.

 

ما السبب وراء ذلك؟

يجيب كليمان تيرم: “لا يوجد أي رابط بين الموقف السياسي لبلد ما وبين تعرضه للاستهداف من قبل إيران”، فإذا كانت الكويت والقوات الأمريكية التي تستضيفها مستهدفة، فذلك لأنها “لا تملك قوة عسكرية تسمح لها بالرد” فهي “لن تدخل في حرب ضد إيران، ولهذا السبب بالذات يتم استهدافها”. وهذا الضعف “يسمح لإيران بإلحاق خسائر باهضه بها دون أن تتكبد أي عواقب عسكرية على أراضيها”.

فمنذ اندلاع “حرب الخليج الثالثة” الحالية، في 28 شباط/فبراير، بضربات إسرائيلية أمريكية على إيران، حرص وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ورئيس البلاد على “طمأنة” جيرانهم العرب. وظلّ رئيس الدولة الإيراني، مسعود بيزشكيان، يكرر في شهر آذار/مارس، أن دول المنطقة “شقيقة”، ويؤكد أن الضربات الإيرانية على أراضي الدول الإسلامية لا تستهدف سوى المصالح الأمريكية.

ومع ذلك، “فعندما يتم استهداف محطة لتحلية المياه، لا سيما في الكويت، فإن الضحية الأولى ليست واشنطن، بل السكان المدنيون”، مثلما تؤكد رشيدة شهيدة عبابسة، الباحثة المستقلة المتخصصة في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ويقول ناصر الظافري، وهو موظف كويتي في الأربعينيات من عمره، لوكالة الأنباء الفرنسية: “ما تمر به الكويت اليوم لم نشهده حتى أثناء الغزو العراقي، من حيث الضغط النفسي وحالة عدم اليقين”

وتتابع رشيدة شهيدة عبابسة موضحة أن الجمهورية الإسلامية تحاول هنا خوض “حرب نفسية”، فمن خلال إظهار إمكانية ضرب بنى تحتية حيوية كهذه رغم وجود القواعد الأمريكية، فإن طهران تسعى إلى إثبات أن المظلة الأمنية لواشنطن على مملكات الخليج “ليست شاملة وليست غير قابلة للاختراق”.

“أمريكا …الشيطان الأكبر” 

يوضح كليمان تيرم أن استهداف إيران لدول الجوار، ما هو إلا تجسيد لأهداف الثورة الإسلامية عام 1979، حيث “تضع هذه الثورة، كشرط مسبق لإقامة علاقات حسن جوار، أن تقطع الدول المجاورة علاقاتها مع الولايات المتحدة”، لأنه، وفقاً لـ”المنهج الأيديولوجي لآية الله الخميني، الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر، الذي يجب على الجميع محاربته”

وفي المقابل، هناك تهديد من نوع آخر تماما يخيم على المنطقة.

فوفقا لـ”مرصد الدفاع والمناخ”، الذي ينسقه معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS) فإنه من المتوقع أن ينخفض حجم المياه العذبة المتاحة من مصادر طبيعية للفرد الواحد في دول مجلس التعاون الخليجي ( المملكة العربية السعودية، وعمان، والكويت، والبحرين، الإمارات العربية المتحدة وقطر) إلى 59 مترا مكعبا بحلول عام 2050، أي ما يعادل خمسة وخمسين ضعفا أقل مما هو عليه الوضع في فرنسا حاليا.

فبعدما كانت على شواطئ بحر العرب مجرد قرى صيادين صغيرة متناثرة، فقد شهدت طفرة عمرانية متسارعة، حيث انتصبت ناطحات السحاب مع تدفق النفط خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ومن أجهزة تكييف الهواء إلى تحلية المياه، أصبحت الحياة المعاصرة في الكويت كما في الدول المجاورة أشبه بـ “معجزة تكنولوجية” يعود الفضل الأول فيها للثروات النفطية.

ولهذا السبب تحديدا، يتم تهميش ملف التغير المناخي من قِبل العائلات الملكية الحاكمة، مثلما يوضح رافائيل لوماغواريك، إذ إن مواجهة التحديات المناخية تفرض تساؤلات جادة حول استمرارية أنظمة تعتمد كلياً على الريع النفطي، وتعيش على أراضٍ كادت أن تصبح غير صالحة للسكن لولا تقنيات التبريد والتحلية.

ويخلص الباحث إلى أنه عندما تستهدف إيران اليوم المحطات المنتجة للمياه الشروب، فإنها في الحقيقة تشن “حرباً على صلاحية هذه الأراضي للحياة”.

 

النص بالفرنسية سفيان أوبان/ أعده للعربية عبد السميع عبد الحي 

 

 

 


المصدر:


www.france24.com

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا