
منذ القرن السادس عشر، تحولت مضائق بحرية عدة حول العالم إلى شرايين حيوية للتجارة الدولية، كما صارت في الوقت نفسه بؤرا لتوترات جيوسياسية حادة، على نحو يشبه ما يمثله مضيق هرمز اليوم، وفق ما يوضح أستاذ الجغرافيا في معهد العلوم السياسية في بوردو سيلفان دوميرغ لوكالة الصحافة الفرنسية.
وبحسب دوميرغ، فإن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المعروفة باتفاقية مونتيغو باي والموقعة في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1982، تعد بمثابة دستور للمحيطات والبحار، وتنص على أن المضيق البحري تكوين طبيعي لا يجوز فرض رسوم على المرور فيه.
وتضمن الاتفاقية، كما يقول، مبدأ حرية الملاحة في المضائق البحرية.
أما القنوات التي أنشأها الإنسان، مثل قناة السويس وقناة بنما، فيحق للدول المشرفة عليها فرض رسوم عبور على السفن التي تستخدمها.
ويلفت دوميرغ، مؤلف كتاب “الجغرافيا السياسية للمجالات البحرية” الصادر عام 2025، إلى أن إيران كانت تحترم أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حتى قبل اندلاع الحرب، باعتبارها جزءا من القانون الدولي العرفي، رغم أنها لم تصادق عليها رسميا.
وعقب الغارات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط/فبراير، أغلقت طهران مضيق هرمز، الذي يمر عبره في أوقات السلم نحو خمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المسال، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط.
وردت واشنطن بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية.
اقرأ أيضامضيق هرمز في قلب الحرب المتواصلة بين أمريكا وإيران
وفي نيسان/أبريل، أتاحت مذكرة تفاهم أبرمت بين الولايات المتحدة وإيران استئناف الملاحة في المضيق، قبل أن يؤدي انهيار وقف إطلاق النار مطلع تموز/يوليو إلى شل الحركة فيه مجددا.
وخلال الأيام الماضية، هدد الحوثيون في اليمن بعرقلة حركة الملاحة من الموانئ السعودية وإليها، وهو ما قد يربك حركة السفن في مضيق باب المندب، الذي يتعين عبوره للوصول إلى قناة السويس.
وتعبر مضيقا هرمز وباب المندب ناقلات النفط والغاز، إلى جانب سفن البضائع والسلع الأساسية والمواد المستخدمة في الصناعة.
أول محاولة للسيطرة على مضيق هرمز
يروي دوميرغ أن البرتغال، التي كان بحارتها أول من فتح طريق التجارة البحرية الأوروبية إلى الهند، سعت منذ عام 1507 إلى فرض سيطرتها على مضيق هرمز، بهدف التحكم بتجارة التوابل وثروات الشرق.
وبعد نقاش قانوني وفلسفي واسع، برزت في مطلع القرن السابع عشر نظرية “البحر الحر” التي صاغها الفيلسوف الهولندي هوغو غروتيوس، وانطلقت من فكرة أن “البحر لا يملكه أحد”.
وتبنت هولندا هذه النظرية دفاعا عن حرية البحار، ثم سارت إنجلترا على النهج نفسه، قبل أن تلحق بهما الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر.
ولا تزال واشنطن، حتى اليوم، تلتزم بمعظم أحكام اتفاقية مونتيغو باي، رغم أنها لم تصادق عليها رسميا.
غير أن مبدأ حرية البحار، وفق دوميرغ، لم يمنع البريطانيين من استثمار الموقع الجغرافي للمضائق في خدمة مشروعهم الاستعماري.
فقد أقامت بريطانيا أبرز قواعدها العسكرية على امتداد المضائق البحرية، وكانت قاعدتها الاستعمارية الكبرى في آسيا تقع بسنغافورة، الأمر الذي أتاح لها التحكم بمضيق ملقا، الذي يمر عبره اليوم الجزء الأكبر من حركة التجارة البحرية العالمية القادمة من الصين.
كما أنشأت بريطانيا تاريخيا قواعد عسكرية في جزيرة سقطرى، التابعة حاليا لليمن، قرب باب المندب وعند مدخل البحر الأحمر.
وفي القارة الأوروبية، اكتسبت المضائق الدنماركية، التي تغلق مدخل بحر البلطيق، أهمية كبيرة خلال القرن التاسع عشر، إذ مكنت الدنمارك لفترة طويلة من فرض رسوم عبور فيها.
ومن بين المضائق الكبرى في الوقت الراهن، يخضع مضيقا البوسفور والدردنيل لرسوم بموجب اتفاقية مونترو الموقعة عام 1936.
ويعتقد دوميرغ أن قضايا جديدة مرتبطة بالمضائق قد تبرز مستقبلا، لا سيما في مضيق تايوان في ظل الطموحات الإقليمية الصينية، وكذلك في مضيق ملقا الذي تتقاسم الإشراف عليه سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.
فرانس24/ أ ف ب


