Homeالرأيفشل محمد بن سلمان أمام الحوثيين: كيف تحولت حرب اليمن إلى تهديد...

فشل محمد بن سلمان أمام الحوثيين: كيف تحولت حرب اليمن إلى تهديد مباشر للسعودية وباب المندب؟ – بقلم إسحاق هموش

من «عاصفة الحزم» إلى عودة الخطر الحوثي: دخلت السعودية حرب اليمن في 26 مارس/آذار 2015 على رأس تحالف عسكري عربي، بعدما سيطر الحوثيون على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 ودفعوا الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى مغادرة البلاد. كان الهدف السعودي المعلن واضحاً: إعادة الحكومة المعترف بها دولياً إلى العاصمة، وتدمير القدرات العسكرية للحوثيين، ومنع قيام قوة مسلحة مرتبطة بإيران على الحدود الجنوبية للمملكة. في ذلك الوقت، قدّم محمد بن سلمان، الذي كان وزيراً للدفاع ويصعد بسرعة داخل هرم السلطة، العملية باعتبارها حملة قصيرة وحاسمة قادرة على تغيير موازين القوة خلال أسابيع أو أشهر. لكن الحرب امتدت لسنوات، ولم تعد الحكومة اليمنية إلى صنعاء، ولم يُنزع سلاح الحوثيين، بل حافظت الجماعة على مناطقها الأساسية وطورت ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة البحرية. وبعد أكثر من عقد، أصبح الحوثيون أكثر قدرة على تهديد الأراضي السعودية والممرات البحرية مما كانوا عليه عند بداية التدخل. ومن هنا يبدأ الحديث عن فشل استراتيجي: ليس لأن السعودية خسرت معركة واحدة، بل لأن النتائج النهائية جاءت مناقضة تقريباً للأهداف التي أعلنتها عند دخول الحرب.

من هاجم من ولماذا اندلعت الحرب؟ بدأت الحلقة الأخيرة من الصراع عندما توسع الحوثيون، المعروفون أيضاً باسم «أنصار الله»، من معاقلهم في صعدة باتجاه صنعاء ثم بقية المحافظات، مستفيدين من انهيار مؤسسات الدولة والتحالف المؤقت مع قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح. رأت الرياض في هذا التوسع انقلاباً يهدد الحكومة اليمنية الشرعية ويفتح الباب أمام إيران لتأسيس نفوذ عسكري على حدود السعودية، فبدأ التحالف بقيادتها حملة جوية واسعة وفرض قيوداً بحرية وجوية على المناطق الخاضعة للحوثيين. في المقابل، قال الحوثيون إنهم يواجهون عدواناً خارجياً وحصاراً سعودياً، وبدأوا نقل الحرب إلى داخل المملكة عبر الصواريخ والمسيّرات والهجمات على المطارات والقواعد العسكرية والمنشآت النفطية. وهكذا تشكلت دائرة متواصلة: غارات سعودية على مواقع في اليمن، تليها هجمات حوثية على الأراضي السعودية، ثم ضربات انتقامية جديدة. وقد دفعت البيئة اليمنية المدنية الثمن الأكبر، إذ دمرت الحرب البنية التحتية وعمقت أزمة الغذاء والدواء والنزوح. ومع مرور الوقت، نجح الحوثيون في تحويل بقاء جماعتهم تحت القصف إلى عنصر تعبئة داخلية، بينما عجز التحالف السعودي عن بناء سلطة يمنية موحدة وقادرة على إدارة المناطق التي خرجت من سيطرة صنعاء.

هدنة 2022 أخفت المشكلة ولم تحلها: أدى وقف إطلاق النار الذي رعته الأمم المتحدة عام 2022 إلى تراجع كبير في العمليات العسكرية المباشرة بين السعودية والحوثيين، لكنه لم يتحول إلى اتفاق سلام شامل. اختارت الرياض التهدئة لأنها أرادت حماية منشآتها النفطية ومدنها ومشروعات «رؤية 2030»، كما دخلت في محادثات مباشرة وغير مباشرة مع الحوثيين عبر الوساطة العُمانية. إلا أن الهدوء الطويل منح الجماعة فرصة لإعادة تنظيم قواتها وتطوير قدراتها وتثبيت سلطتها في شمال اليمن. وفي الوقت نفسه، بقي المعسكر المناهض للحوثيين منقسماً بين الحكومة المعترف بها دولياً، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات محلية متنافسة تدعم السعودية والإمارات أطرافاً مختلفة منها. وعندما تجدد القتال بصورة واسعة في 2026، ظهر الفرق بوضوح بين تنظيم حوثي يمتلك قيادة مركزية وخبرة قتالية متراكمة، وبين خصوم يعانون ضعف التنسيق والانقسام السياسي والعسكري. وتشير التقارير إلى أن الهجوم الحوثي على الساحل الغربي أدى إلى سقوط مدينة المخا وتراجع القوات المدعومة من السعودية، ما عزز قدرة الجماعة على تهديد المناطق القريبة من باب المندب. كما أفادت مصادر إقليمية بأن الدعم الإيراني، من أسلحة وخبرات وتوجيهات عملياتية، كان مهماً في هذا التقدم، بينما تنفي طهران أنها تدير القرارات الحوثية بصورة مباشرة. رويترز: دور الدعم الإيراني في هجوم الساحل الغربي

الهجمات الأخيرة: خطوط النفط والقواعد العسكرية ومحيط مكة: عادت المواجهة إلى الداخل السعودي مع سلسلة من الهجمات الحوثية على أهداف عسكرية واقتصادية. فقد أعلن الحوثيون استهداف قاعدة خميس مشيط ومواقع سعودية أخرى بالصواريخ والمسيّرات، وقالوا إن عملياتهم جاءت رداً على الغارات السعودية في اليمن. كما أدى الهجوم على خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، إلى كشف هشاشة البديل الذي تعتمد عليه الرياض عندما يتراجع عبور السفن عبر مضيق هرمز. وفي 16 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، واعتبرت أمن المدينة المقدسة «خطاً أحمر»، بينما نفى الحوثيون أنهم استهدفوا مكة أو المواقع الدينية، مع إقرارهم بتنفيذ هجمات أخرى على أهداف سعودية. رويترز: اعتراض المسيّرة جنوب مكة وفي الطائف، أدى سقوط حطام طائرة حوثية اعترضتها الدفاعات السعودية إلى مقتل شخص وإصابة اثنين، وفق ما نقلته السلطات السعودية. أسوشيتد برس: ضحايا حطام المسيّرة في الطائف وتوضح هذه الوقائع أن منظومات الدفاع الجوي تستطيع إسقاط جزء مهم من الصواريخ والمسيّرات، لكنها لا توفر حماية مطلقة؛ فحتى الاعتراض الناجح قد يسبب خسائر بشرية ومادية، كما أن إطلاق إنذارات أمنية واسعة في مكة وجدة ومدن أخرى يحقق للحوثيين أثراً نفسياً واقتصادياً يتجاوز الأضرار المباشرة لكل هجوم.

باب المندب ومضيق هرمز: السعودية بين فكي كماشة جيوسياسية: تكمن خطورة التطورات الحالية في تزامن الضغط الحوثي قرب باب المندب مع الاضطراب المستمر في مضيق هرمز. فالسعودية تعتمد على هذين الطريقين في تصدير الطاقة وحماية تجارتها: هرمز في الشرق للوصول من الخليج إلى بحر العرب، وباب المندب في الغرب لربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. وعندما يتعرض هرمز للخطر، يفترض أن يوفر خط أنابيب الشرق–الغرب وموانئ البحر الأحمر مساراً بديلاً للصادرات السعودية، لكن اقتراب الحوثيين من باب المندب واستهدافهم البنية النفطية والسفن المرتبطة بالمملكة يضعف هذا البديل أيضاً. لم يثبت أن الحوثيين يملكون سيطرة كاملة ومطلقة على كل حركة الملاحة عبر المضيق، لكن تقدمهم على الساحل وقدرتهم على استخدام الصواريخ والمسيّرات والزوارق المفخخة يمنحانهم قوة تعطيل كبيرة من دون الحاجة إلى احتلال ضفتي الممر. وقد دفعت هذه المخاطر الرياض إلى طلب تحركات دبلوماسية خارجية؛ إذ أفادت رويترز بأن الصين ضغطت على إيران، بناءً على طلب سعودي، للمساعدة في كبح الحوثيين وحماية طرق الطاقة. رويترز: التحرك الصيني بعد الطلب السعودي وهذا الاعتماد على وساطة بكين ونفوذ طهران يوضح أن المملكة لم تعد تملك وحدها القدرة على فرض النتيجة التي تريدها في اليمن.

لماذا يمكن وصف حصيلة محمد بن سلمان بالفشل الاستراتيجي؟ يمكن قياس النجاح أو الفشل بالعودة إلى الأهداف الأصلية للحرب: إعادة الحكومة اليمنية إلى صنعاء، تفكيك القوة العسكرية للحوثيين، تأمين الحدود الجنوبية، تقليص النفوذ الإيراني، وبناء يمن مستقر موالٍ للرياض. بعد أكثر من أحد عشر عاماً، لم يتحقق أي من هذه الأهداف بصورة كاملة؛ فالحوثيون ما زالوا يحكمون صنعاء ومناطق واسعة وكثيفة السكان، وتحولوا من حركة محلية مسلحة إلى قوة إقليمية تمتلك صواريخ ومسيّرات وقدرات بحرية، بينما ازدادت قيمة اليمن داخل استراتيجية إيران للضغط على السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل. كذلك أخفقت الرياض في توحيد حلفائها اليمنيين، وأدى اختلاف الأولويات السعودية والإماراتية إلى ظهور مراكز نفوذ متنافسة في الجنوب والساحل. أما التفوق الجوي السعودي، فعلى الرغم من قدرته على إحداث دمار واسع وإبطاء الهجمات، فلم يتمكن من إنتاج تسوية سياسية أو سلطة مستقرة على الأرض. لذلك لا يعني «فشل محمد بن سلمان» أن الدولة السعودية انهارت أو أن الحوثيين حققوا نصراً كاملاً؛ فالمملكة احتفظت بتماسكها الداخلي، وطورت دفاعاتها، ونجحت في خفض مستوى القتال لسنوات عبر التفاوض. لكن الحملة التي كان يفترض أن تقضي على الخطر الحوثي انتهت بجماعة أقوى وأجرأ وأكثر قدرة على تهديد العمق السعودي والتجارة العالمية. هذا التناقض بين الهدف والنتيجة هو جوهر الإخفاق.

لماذا يصعّد الحوثيون الآن وما الذي يريدونه؟ تحمل الهجمات الحوثية عدة رسائل في الوقت نفسه. داخلياً، يسعى قادة الجماعة إلى تعزيز شرعيتهم وتغطية أزماتهم الاقتصادية عبر خطاب المواجهة مع السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل. يمنياً، يريدون فرض أنفسهم باعتبارهم السلطة الأقوى التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية، وانتزاع تنازلات تتعلق بالرواتب والموانئ والمطارات والاعتراف بنفوذهم. إقليمياً، يربطون عملياتهم بالحرب الأوسع وبالدفاع عن الفلسطينيين، ويستخدمون البحر الأحمر وسيلة ضغط على الدول الداعمة لإسرائيل. أما إيران، فتستفيد من وجود قوة حليفة قادرة على فتح جبهة منخفضة التكلفة ضد خصومها وتهديد طرق النفط والتجارة من دون دخول حرب مباشرة في كل مرة. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية؛ فلديهم مشروعهم المحلي وحساباتهم السياسية والعسكرية، وقد يتوافق قرارهم مع طهران أحياناً من دون أن يكون صادراً منها حرفياً. هذا التداخل بين المصالح المحلية والإقليمية هو ما يجعل احتواءهم أكثر صعوبة.

الشرق الأوسط أمام مرحلة أخطر: تكشف الأزمة أن الصراع لم يعد حرباً يمنية محدودة، بل أصبح جزءاً من معركة إقليمية على طرق الطاقة والممرات البحرية. فوجود قوة حوثية متقدمة قرب باب المندب، بالتزامن مع أزمة الملاحة في هرمز، يهدد أسعار النفط والتأمين البحري وسلاسل الإمداد وقناة السويس وموانئ البحر الأحمر. كما يضع السعودية أمام خيارات جميعها صعبة: العودة إلى حرب جوية واسعة قد تستدعي هجمات أكثر إيلاماً على مدنها ومنشآتها، والاكتفاء بالدفاع يمنح الحوثيين وقتاً لتثبيت مكاسبهم، بينما يتطلب التفاوض تقديم تنازلات لجماعة حاولت الرياض هزيمتها عسكرياً طوال سنوات. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لمحمد بن سلمان لم يعد قدرته على إطلاق حملة عسكرية جديدة، بل قدرته على الخروج من دائرة الحرب من دون تحويل الاعتراف بالواقع الحوثي إلى هزيمة سياسية كاملة. لقد أرادت السعودية عام 2015 إبعاد الحوثيين عن حدودها وإضعاف النفوذ الإيراني؛ أما في 2026، فهي تواجه الحوثيين على حدودها وفي مجالها الجوي وعلى طرق تصدير نفطها، وتطلب من قوى دولية وإقليمية المساعدة في احتوائهم. وتلك، أكثر من أي شعار، هي الخلاصة الأوضح لمسار الحرب ونتائجها.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا