بعد خمسة عشر عامًا من النزاع في اليمن يبرز جدل متزايد بين من يرون ضرورة التعامل مع الحوثي كقوة فاعلة على الأرض وبين من يرفض أي مقاربة تمنح شرعية فعلية لمن اتهمتهم أطراف متعددة بارتكاب انتهاكات أثناء الحرب. الجدال لا يقتصر على حسابات عسكرية بحتة، بل يتقاطع مع أولويات إنسانية ومعطيات سياسية تجعل من أي قرار ذو أبعاد محلية وإقليمية ودولية.
المؤيدون للتعامل يشددون على أن الاعتراف بوجود سلطة أمر واقع قد يسهل فتح ممرات إنسانية ويحسن تقديم الخدمات الأساسية في مناطق محرومة، كما قد يهيئ شروط وقف لإطلاق النار طويل الأمد. من جانب آخر، تبقى ملفات المساءلة والقضاء على الإفلات من العقاب وإدماج الفصائل في مؤسسات الدولة شروطاً أساسية لصياغة أي اتفاق مستدام، ودور الأمم المتحدة في الوساطة لا يزال محورياً في تقريب مواقف الأطراف وبمهمة ضمان آليات تنفيذ الاتفاقات.
هناك مخاطر واضحة مرتبطة بمنح تعامل أوسع لجهة مسلحة تمتلك موطئ قدم على الأرض: إمكانية تقويض مساعي بناء دولة مؤسساتية، وتأثر سياسات الحكم المحلي وتوزيع الموارد، إضافة إلى تأثيرات على حقوق الضحايا وعمليات إعادة الإعمار. لذلك يبرز شرط الربط بين أي خطوة سياسية وجملة من الضمانات العملية: وقف دائم للأعمال القتالية، آليات رقابة دولية، وتدرج في ترتيبات الأمن والسياسة وفق جدول قابل للتحقق.
خيار التعامل أو المواجهة ليس مجرد مسألة تكتيك عسكري، بل يتعلق بإطار سياسي شامل يوازن بين الحاجة الملحة لتخفيف معاناة المدنيين ومتطلبات العدالة وإعادة البناء. مشاركة فاعلة للمجتمع المدني والجهات الإقليمية والدولية مطلوبة لضمان أن تكون أي خطوة عملية ومؤقتة ومقيدة بشروط واضحة تحفظ حقوق المواطنين وتؤسس لعملية سياسية أوسع.
في غياب حل سياسي شامل، سيبقى النقاش حول ما إذا كان الحوثي طرفاً يجب التعامل معه أو محاربته اختبارًا لمدى قدرة المجتمع الدولي والإقليمي والمحلي على صياغة بدائل تحفظ السلام والاستقرار وكرامة المدنيين في اليمن.


