أعطت الانتخابات التشريعية المغربية في 23 سبتمبر 2026 الأصالة والمعاصرة المركز الأول، وفق النتائج المؤقتة، بـ97 مقعداً. ومنذ ظهور هذه الأرقام، برز اسم فاطمة الزهراء المنصوري بوصفها مرشحة محتملة لرئاسة الحكومة. وإذا اختيرت لهذا المنصب، فستصبح أول امرأة تقود الجهاز التنفيذي في تاريخ المغرب.
تستحق هذه الإمكانية الاهتمام، لكنها لا تختزل ما حدث في صناديق الاقتراع. فالحزب الفائز لم يحصل على أغلبية تمكنه من الحكم منفرداً، وشركاؤه المحتملون هم، في جانب كبير منهم، شركاؤه في الحكومة السابقة. ثم إن نسبة مشاركة تقارب 38 في المئة من المسجلين تفرض سؤالاً يتجاوز هوية رئيس الحكومة: كيف يمكن للأغلبية المقبلة أن تقنع المواطنين بأن تبدّل موقع الأحزاب في السلطة سيُحدث فرقاً في حياتهم؟
الفوز يمنح المبادرة، لكنه لا يمنح تفويضاً مفتوحاً
بموجب الفصل 47 من الدستور المغربي، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب. وهذا ما يجعل فوز الأصالة والمعاصرة حاسماً في تحديد الإطار الذي سيخرج منه رئيس الحكومة المقبل. لكنه لا يحسم اسم الشخص الذي سيقودها، ولا شكل التحالف الذي سيسندها داخل البرلمان.
هنا يبدأ الاختبار السياسي الحقيقي. فالحزب الذي يأتي أولاً يستطيع أن يفتح المفاوضات من موقع قوة نسبية، لكنه يحتاج إلى شركاء لديهم مصالحهم وبرامجهم وحساباتهم الانتخابية. وكلما اتسع الائتلاف، ازدادت فرص تأمين أغلبية مريحة، وازدادت معها صعوبة الاتفاق على أولويات واضحة. قد يكون من السهل جمع المقاعد اللازمة للتصويت على الحكومة؛ الأصعب هو الاتفاق مسبقاً على القرارات التي ستكون مستعدة لاتخاذها عندما تتعارض مصالح أطرافها.
لذلك لا تكفي معرفة الأحزاب التي ستدخل الائتلاف. ما يحتاج إليه الناخب هو فهم الاتفاق الذي سيجمعها: ما الملفات التي ستُعطى الأولوية؟ وما الإصلاحات التي قد يختلف حولها الشركاء؟ وكيف سيُحل الخلاف عندما تظهر كلفة القرارات في الميزانية أو لدى الرأي العام؟
معضلة الاستمرارية والتغيير
كان حزب الأصالة والمعاصرة جزءاً من الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها إلى جانب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. ويستطيع هذا الثلاثي، من حيث المبدأ، أن يبحث في تجديد تعاونه. لكن مثل هذا الخيار يضع الحزب المتصدر أمام معضلة لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير رئيس الحكومة.
إذا كانت الأحزاب نفسها ستواصل إدارة الملفات نفسها، فما الذي تعنيه نتيجة الانتخابات سياسياً؟ ليس المطلوب من الأصالة والمعاصرة أن يتبرأ من كل ما شارك في صنعه خلال الولاية السابقة. المطلوب أن يحدد بوضوح ما يعتبره نجاحاً ينبغي البناء عليه، وما يراه تعثراً يستوجب التصحيح. فالدفاع عن الاستمرارية قد يكون خياراً مشروعاً، كما قد يكون تغيير المسار خياراً مشروعاً؛ الغموض بينهما هو ما يضعف صدقية أي وعد انتخابي.
ويمكن قياس جدية هذا النقاش منذ لحظة تشكيل الائتلاف. فإذا انحصرت المفاوضات في توزيع الوزارات، سيتعامل جزء من الجمهور مع الحكومة الجديدة بوصفها إعادة ترتيب للسلطة داخل الأغلبية القديمة. أما إذا أنتجت المفاوضات برنامجاً محدداً، يذكر القرارات والموارد وآجال التنفيذ، فسيصبح بالإمكان مساءلة الحكومة على أساس واضح.
ماذا تضيف المنصوري إلى هذا المشهد؟
تحمل فاطمة الزهراء المنصوري رصيداً سياسياً وإدارياً يمنح ترشيحها معنى يتجاوز السابقة الرمزية. فقد تولت رئاسة جماعة مراكش، وتعمل في الحكومة على ملفات السكن والتعمير وإعداد التراب. هذه الخبرة تضعها على تماس مباشر مع أسئلة يعرفها المواطن جيداً: كلفة السكن، وتوسع المدن، وتفاوت الخدمات بين الأحياء والجهات، والفجوة بين الإعلان عن مشروع وتنفيذه فعلياً.
لكن هذه الخبرة تخضع بدورها للفحص والمساءلة. فمن حق الرأي العام أن يسأل المرشحة المحتملة عما أنجزته في المواقع التي شغلتها، وما الذي تعلّمته من حدود العمل الحكومي والمحلي، وكيف ستتعامل مع المصالح المتعارضة داخل الائتلاف. وينطبق المعيار نفسه على أي اسم آخر يُطرح لرئاسة الحكومة، ومن بينهم فوزي لقجع. المقارنة الجادة بين الشخصيات لا تقوم على الشهرة أو قوة الرمز، بل على القدرة على قيادة فريق حكومي، والتفاوض مع البرلمان، وتحمل مسؤولية الخيارات أمام المواطنين.
ولو عُيّنت المنصوري، فستكون سابقة ذات أثر معنوي كبير على حضور النساء في السياسة المغربية. غير أن الرمزية تصبح أقوى عندما تجد امتداداً في القرارات. فوجود امرأة على رأس الحكومة لا يجيب وحده عن صعوبات ولوج النساء إلى العمل، أو عن تفاوت فرصهن بين المدن والمناطق القروية، أو عن ضعف حضورهن في بعض مواقع القرار الاقتصادي. وسيكون السؤال المشروع: هل ستضع الحكومة إزالة هذه العوائق ضمن أولويات قابلة للقياس، أم ستكتفي بالاحتفاء بصورة تاريخية؟
لماذا يجب الإصغاء إلى من لم يصوّتوا؟
لا تعني المشاركة الضعيفة أن جميع الممتنعين يحملون الرسالة السياسية نفسها. فقد تختلف دوافعهم بين عدم الثقة بالأحزاب، وعدم الاقتناع بالمرشحين، والشعور بأن نتائج الانتخابات لن تمس ظروف عيشهم. لكن حجم العزوف يجعل تجاهله خطأً سياسياً.
يمكن للحكومة أن تحظى بأغلبية برلمانية مستقرة وأن تبقى، في الوقت نفسه، بعيدة عن قطاع واسع من المجتمع. ومن هنا تأتي أهمية الطريقة التي ستخاطب بها المواطنين بعد تشكيلها. فالوعود العامة حول النمو والاستثمار لن تكفي إذا ظل أثرها غائباً عن دخل الأسرة، وعن موعد العلاج في المستشفى، وعن جودة المدرسة وفرصة الشاب في الحصول على عمل.
إن استعادة الثقة لا تبدأ بخطاب يعد بحل جميع المشكلات. تبدأ باعتراف صريح بحجمها، ثم بتحديد ما يمكن إنجازه خلال مدة معقولة، ونشر ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر. وحين تصبح النتائج قابلة للفحص، يستطيع المواطن أن يحكم على أداء الحكومة بما فعلته، لا بما أعلنته يوم تنصيبها.
كأس العالم والاستثمار: من يستفيد من المشاريع الكبرى؟
ستعمل الحكومة المقبلة في مرحلة يراهن فيها المغرب على مشاريع البنية التحتية والاستثمار، ولا سيما مع اقتراب استضافة كأس العالم 2030. وتفتح هذه المشاريع فرصاً اقتصادية حقيقية، لكنها تثير سؤال توزيع المنافع. فنجاح بناء منشأة أو تطوير شبكة نقل لا يُقاس فقط بسرعة إنجازهما، بل أيضاً بما يتركانه من قيمة للمدينة أو الجهة بعد انتهاء الحدث الرياضي.
هل ستخلق الاستثمارات وظائف مستقرة أم فرصاً مؤقتة؟ وهل ستستفيد منها المقاولات المحلية؟ وهل ستُراعى حاجات المدن الأقل جذباً للاستثمار، أم ستتجه الموارد أساساً إلى المراكز التي تملك أصلاً بنية أفضل؟ هذه ليست أسئلة جانبية؛ إنها صلب المفاضلات التي يتعين على الحكومة شرحها والدفاع عنها.
وينطبق المنطق نفسه على الماء والطاقة والسكن. فندرة الموارد المائية تفرض قرارات تتعلق بالاستهلاك والفلاحة والتجهيزات، وقد لا تكون جميعها سهلة. أما سياسة السكن فلا تُقاس بعدد الإعلانات وحده، بل بقدرة الأسر المعنية على الوصول إلى مساكن مناسبة، وبوجود النقل والخدمات وفرص العمل حولها. إذا لم تُربط المشاريع الكبرى بهذه التفاصيل، فقد تكبر الأرقام من دون أن يشعر المواطن بتغير موازٍ.
اختبار المساءلة قبل اختبار التاريخ
لا يمكن فصل النقاش حول رئيس الحكومة المقبل عن طبيعة النظام السياسي المغربي وتوزيع المسؤوليات داخله. ولأن القرارات الاستراتيجية تشترك فيها مؤسسات متعددة، تزداد الحاجة إلى أن تكون مسؤولية الحكومة عن برنامجها واضحة. عليها أن تقول ما الذي يقع ضمن قدرتها على التنفيذ، وما الموارد التي ستخصصها له، وكيف ستعرض حصيلتها أمام البرلمان والمواطنين.
في هذا الإطار، قد يشكل اختيار فاطمة الزهراء المنصوري محطة تاريخية. لكنه لن يكون جواباً نهائياً عن الأسئلة التي طرحتها الانتخابات. فالاسم الذي سيقود الحكومة، وتركيبة الأغلبية، وبرنامجها، وطريقة محاسبتها، حلقات في قرار سياسي واحد.
لقد منح الاقتراع حزب الأصالة والمعاصرة فرصة قيادة المرحلة المقبلة. وما سيحدد معناها هو قدرة الحزب وشركائه على تحويل هذه الفرصة إلى عقد واضح مع المواطنين: أولويات معلنة، وقرارات مفهومة، ونتائج يمكن التحقق منها. عندئذ فقط ستصبح السابقة المحتملة في رئاسة الحكومة جزءاً من تحول أوسع، يتجاوز قوة الصورة إلى أثر السياسة في الواقع.


