Homeالرأيالنيجر تهتز بعد مالي وبوركينا فاسو: هل دخل الساحل زمن الانقلابات الجديدة؟...

النيجر تهتز بعد مالي وبوركينا فاسو: هل دخل الساحل زمن الانقلابات الجديدة؟ – بقلم إسحاق هموش

لم تعد الأحداث المتسارعة في النيجر شأناً داخلياً يمكن اختزاله في تمرد داخل ثكنة عسكرية أو خلاف بين ضباط على إدارة المؤسسة العسكرية، بل أصبحت حلقة جديدة وخطيرة في سلسلة التحولات التي تعيد رسم الخريطة السياسية والأمنية والجيوسياسية لمنطقة الساحل الإفريقي بأكملها. فما شهدته نيامي في نهاية أغسطس/آب 2026، عندما تحرك عسكريون متمردون واستهدفوا مواقع شديدة الحساسية من بينها القاعدة الجوية 101 ومحيط مؤسسات سيادية في العاصمة، يمثل واحداً من أخطر التحديات التي واجهها نظام الجنرال عبد الرحمن تياني منذ إطاحته بالرئيس محمد بازوم في يوليو/تموز 2023. والأدق، من الناحية الصحفية، وصف ما حدث بأنه محاولة تمرد وانقلاب عسكري ضد السلطة القائمة في النيجر وليس انقلاباً ناجحاً، لأن القوات الموالية لتياني تمكنت من استعادة السيطرة الأساسية على المواقع الاستراتيجية. لكن خطورة الحدث لا تكمن فقط في نتيجته، وإنما في السؤال الذي يفرضه على المنطقة كلها: هل بدأت دول الساحل التي وصلت فيها الجيوش إلى السلطة تحت شعار إنقاذ الدولة واستعادة السيادة تدخل الآن مرحلة جديدة يصبح فيها العسكريون أنفسهم هدفاً لعسكريين آخرين؟ وهل يمكن أن نكون أمام بداية موجة من «الانقلابات داخل الانقلابات» تمتد من مالي إلى بوركينا فاسو وصولاً إلى النيجر؟

النيجر على حافة الانفجار: عندما خرج التهديد من داخل المؤسسة العسكرية نفسها

تكمن خطورة ما حدث في نيامي في أن التهديد هذه المرة لم يأت من الحدود الملتهبة مع الجماعات المسلحة، ولم يكن هجوماً جديداً لتنظيم مرتبط بالقاعدة أو بتنظيم الدولة الإسلامية، كما لم يكن تحركاً للمعارضة المدنية ضد النظام، وإنما جاء من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، أي من المؤسسة التي يستند إليها نظام عبد الرحمن تياني في شرعيته وفي بقائه. وقد استهدف المتمردون مواقع ذات قيمة عسكرية وسيادية كبيرة، وعلى رأسها القاعدة الجوية 101 الواقعة داخل محيط مطار ديوري حماني الدولي في نيامي، وهي منشأة استراتيجية ترتبط بالعمليات الجوية ومراقبة المجال الأمني ومكافحة الجماعات المسلحة. واستمرار المواجهات لساعات وقدرة المتمردين على الوصول إلى هذه المواقع يعنيان أن المسألة تجاوزت بكثير حدود احتجاج محدود على ظروف الخدمة. وبالنسبة إلى أي نظام عسكري، فإن ظهور انقسامات داخل القوات المسلحة أخطر في بعض الأحيان من وجود معارضة سياسية واسعة، لأن النظام الذي يستند أساساً إلى تماسك الجيش يصبح مهدداً من قاعدته عندما يبدأ هذا التماسك في التصدع. ويمكن الاطلاع على تغطية تطورات نيامي عبر تقرير رويترز حول تمرد الجنود والهجوم على المواقع الاستراتيجية في النيجر، وكذلك تقرير رويترز حول استعادة القاعدة الجوية في نيامي.

عبد الرحمن تياني أمام السؤال نفسه الذي استخدمه الجيش لإسقاط محمد بازوم

المفارقة الكبرى أن الجنرال عبد الرحمن تياني وصل إلى السلطة في 26 يوليو/تموز 2023 بعدما أطاح الجيش بالرئيس المنتخب محمد بازوم، وكان تدهور الوضع الأمني وعدم قدرة السلطة المدنية على وقف تمدد الجماعات المسلحة من أبرز المبررات التي قدمها العسكريون للاستيلاء على الحكم. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، يجد النظام العسكري نفسه أمام السؤال ذاته: هل استطاع بالفعل تحقيق الأمن الذي وعد به؟ هذا السؤال لا يخص تياني وحده، بل يلاحق تقريباً جميع الأنظمة العسكرية الجديدة في الساحل، لأن الشرعية السياسية لهذه الأنظمة لم تُبنَ على الانتخابات بقدر ما بُنيت على الوعد بتحقيق نتائج أمنية وسيادية أسرع من الحكومات المدنية السابقة. فإذا بقيت الهجمات مستمرة، واستمرت الخسائر في صفوف الجيش، وبدأ الاستياء يصل إلى الوحدات المقاتلة نفسها، فإن المبرر الذي استخدمه العسكريون لإسقاط المدنيين يمكن أن يستخدمه عسكريون آخرون مستقبلاً لإسقاط العسكريين الحاكمين. وهنا تكمن الحلقة المفرغة للانقلاب: عندما تصبح القوة العسكرية وسيلة مقبولة للوصول إلى الحكم، يصبح من الصعب إقناع الضابط التالي بأن عليه الانتظار واحترام المؤسسات عندما يعتقد أن القيادة الحالية فشلت.

مالي كانت البداية: انقلاب 2020 ثم انقلاب داخل المرحلة الانتقالية سنة 2021

لفهم ما يجري في النيجر اليوم، لا بد من العودة إلى مالي، لأن باماكو كانت المختبر الأول للموجة الجديدة من الانقلابات في الساحل. ففي أغسطس/آب 2020 أطاح عسكريون بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا بعد احتجاجات واسعة وغضب متزايد من الفساد والوضع الاقتصادي والعجز عن احتواء التمرد المسلح. لكن الانقلاب الأول لم ينهِ أزمة الحكم، إذ شهدت مالي في مايو/أيار 2021 انقلاباً ثانياً داخل المرحلة الانتقالية نفسها، رسخ العقيد عاصمي غويتا في قمة السلطة. ومنذ ذلك الحين، أعادت مالي صياغة سياستها الخارجية بصورة جذرية، فتدهورت العلاقات مع فرنسا، وانتهت عملية برخان والوجود العسكري الفرنسي الأساسي، وغادرت بعثة الأمم المتحدة، بينما توسع التعاون مع روسيا. وكان الخطاب الجديد واضحاً: السيادة الوطنية، واستعادة القرار الإفريقي، ورفض الوصاية الأجنبية، وإعادة بناء الجيش على أسس جديدة. لكن تجربة مالي أثبتت في الوقت نفسه أن تغيير الشريك الدولي أو إخراج القوات الأجنبية لا يحل بصورة آلية المشكلات البنيوية للدولة، إذ بقيت الجماعات المسلحة قادرة على تنفيذ عمليات واسعة وتهديد طرق الإمداد وممارسة ضغط متزايد على الجيش والسكان، وهو ما يجعل التجربة المالية أول إنذار بأن الانقلاب يستطيع تغيير القيادة بسرعة، لكنه لا يستطيع وحده بناء الدولة أو إنهاء حرب معقدة تمتد جذورها إلى الاقتصاد والجغرافيا والحدود الهشة وغياب الإدارة عن مناطق واسعة.

بوركينا فاسو: انقلابان خلال عام واحد وصعود إبراهيم تراوري كرمز إفريقي جديد

بعد مالي جاءت بوركينا فاسو، حيث أطاح المقدم بول هنري سانداوغو داميبا بالرئيس روش مارك كريستيان كابوري في يناير/كانون الثاني 2022، مستنداً هو الآخر إلى تدهور الوضع الأمني وفشل الحكومة في وقف الجماعات المسلحة. لكن المفارقة أن داميبا لم يبق في السلطة سوى ثمانية أشهر تقريباً، قبل أن يطيح به الكابتن إبراهيم تراوري في سبتمبر/أيلول 2022 باستخدام الحجة الأساسية نفسها: عدم إحراز تقدم كافٍ في الحرب. ومن هنا ظهر واحد من أوضح نماذج «الانقلاب داخل الانقلاب» في الساحل. إلا أن حالة تراوري اكتسبت لاحقاً بعداً يتجاوز بوركينا فاسو نفسها، فقد تحول الرجل إلى رمز لدى قطاعات واسعة من الشباب الإفريقي، خصوصاً بسبب خطابه حول الاستقلال والسيادة والسيطرة على الثروات الوطنية، وانتقاد الهيمنة الأجنبية، واستحضاره المتكرر لإرث الزعيم البوركيني الراحل توماس سانكارا. ومع ذلك، فإن شعبية تراوري على المستوى الإفريقي لا تلغي حقيقة أن بلاده لا تزال تواجه حرباً شديدة التعقيد، وأن قدرة النظام على تحويل الخطاب السيادي إلى نتائج أمنية واقتصادية ملموسة ستبقى العامل الحاسم في تقييم تجربته تاريخياً.

محاولات استهداف إبراهيم تراوري: بين الخطر الحقيقي والحرب الهائلة للمعلومات المضللة

الحديث عن محاولة اغتيال إبراهيم تراوري يحتاج إلى دقة صحفية كبيرة لأن اسم الرئيس البوركيني أصبح خلال السنوات الأخيرة هدفاً لكمية هائلة من المعلومات المضللة على شبكات التواصل الاجتماعي. وقد أعلنت سلطات بوركينا فاسو في يناير/كانون الثاني 2026 إحباط مخطط قالت إنه كان يستهدف زعزعة النظام واغتيال مسؤولين، وفي مقدمتهم إبراهيم تراوري، واتهمت الرئيس الانتقالي السابق بول هنري داميبا بالضلوع في العملية. وفي وقت لاحق ظهرت تقارير بشأن توقيف داميبا وإعادته من توغو، لكن من الضروري التمييز بين الاتهام الرسمي وبين حقيقة قضائية مثبتة نهائياً؛ فالسلطات البوركينية قدمت روايتها للمخطط، لكن تفاصيل الأدلة الكاملة لم تُعرض علناً بما يسمح بتحويل كل الاتهامات إلى حقائق مستقلة غير قابلة للنقاش. وفي المقابل، انتشرت مراراً شائعات تزعم اغتيال تراوري فعلياً، وهي أخبار لم تثبت. وهذا يجعل بوركينا فاسو مثالاً واضحاً على أن الصراع في الساحل لم يعد يجري بالبنادق فقط، وإنما عبر الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي أيضاً، حيث تستطيع إشاعة واحدة أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات وأن تتحول إلى «حقيقة» سياسية لدى جمهور كامل قبل ظهور أي مصدر موثوق.

من مالي وبوركينا فاسو إلى النيجر: السيناريو نفسه يتكرر ولكن بصورة أكثر خطورة

عند وضع الحالات الثلاث بجانب بعضها، تظهر بنية سياسية يصعب تجاهلها. في مالي، حكومة تواجه أزمة أمنية ثم يتدخل الجيش، وبعد أقل من عام يقع انقلاب ثانٍ داخل المرحلة الانتقالية. وفي بوركينا فاسو، يطيح ضابط بحكومة مدنية بسبب الوضع الأمني، ثم يأتي ضابط آخر بعد ثمانية أشهر ويطيح بالضابط الأول للسبب نفسه. وفي النيجر، يطيح الجيش بمحمد بازوم سنة 2023، ثم يجد النظام العسكري نفسه سنة 2026 أمام تمرد خطير صادر من داخل المؤسسة العسكرية. هذه السلسلة تكشف المشكلة الأساسية: إذا أصبح الانقلاب وسيلة مشروعة سياسياً لتصحيح الفشل، فمن الذي يقرر متى يكون النظام قد فشل؟ يستطيع كل جناح داخل الجيش أن يقدم نفسه باعتباره أكثر وطنية وأكثر قدرة على حماية البلاد من الجناح الموجود في الحكم. وعندما يترسخ هذا المنطق، لا تعود الدولة أمام انقلاب واحد، بل أمام إمكانية ظهور دورة متواصلة من الانقلابات والانقلابات المضادة، الأمر الذي قد يجعل بناء المؤسسات أكثر صعوبة مهما كانت النوايا الوطنية لدى القادة الموجودين في السلطة.

تحالف دول الساحل AES: مشروع سيادي تاريخي أم تحالف بين أنظمة مهددة من الداخل؟

اختارت مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحويل تقاربها إلى مشروع سياسي وأمني مؤسساتي من خلال تحالف دول الساحل AES ثم الكونفدرالية التي تجمع الدول الثلاث، في وقت أنهت فيه علاقتها العضوية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا – إيكواس/CEDEAO. ويمثل هذا التحول واحداً من أكبر التغييرات التي عرفتها غرب إفريقيا منذ عقود، لأن الدول الثلاث لا تقول فقط إنها تريد تعاوناً أمنياً جديداً، بل تقدم نفسها باعتبارها مشروعاً سيادياً بديلاً عن النظام الإقليمي الذي ارتبط، في نظر مؤيديها، بنفوذ فرنسا والقوى الغربية. وإذا استطاعت الدول الثلاث بناء منظومة دفاع مشتركة، وتنسيق الاستخبارات والعمليات العسكرية، وتطوير التجارة والبنية التحتية والطاقة وإدارة الموارد بصورة أكثر تكاملاً، فإن AES يمكن أن يتحول إلى قطب سياسي حقيقي في إفريقيا. لكن أحداث النيجر تكشف أيضاً نقطة الضعف الأساسية في المشروع: لا يمكن لتحالف إقليمي أن يكون أقوى من الدول التي يتكون منها، وإذا كانت المؤسسات العسكرية نفسها تعاني من انقسامات داخلية، فإن الاتفاقات الدفاعية وحدها لن تكون كافية لحماية الأنظمة أو بناء الاستقرار.

روسيا تدخل المعادلة بقوة: ماذا يعني دور Africa Corps في حماية السلطة في نيامي؟

من أبرز جوانب أزمة النيجر الأخيرة الدور المنسوب إلى القوات الروسية التابعة لـAfrica Corps في مساعدة القوات الموالية لعبد الرحمن تياني على استعادة القاعدة الجوية في نيامي. وهذه نقطة شديدة الأهمية لأنها تظهر حجم التحول الذي طرأ على ميزان النفوذ في الساحل خلال سنوات قليلة. فمنطقة كانت فرنسا تعتبرها لعقود جزءاً أساسياً من مجال نفوذها الاستراتيجي أصبحت اليوم تستضيف حضوراً روسياً متنامياً، بينما تراجعت القواعد والقوات الفرنسية بصورة كبيرة. وبالنسبة إلى موسكو، يمثل ذلك مكسباً جيوسياسياً واضحاً، إذ تستطيع أن تقدم نفسها كشريك لا يكتفي بالتصريحات بل يقف إلى جانب حلفائه عندما يتعرضون للخطر. لكن بالنسبة إلى أنظمة الساحل نفسها، يطرح الأمر سؤالاً أكثر حساسية: هل المشروع هو التحرر من التبعية أم تغيير الشريك الذي تعتمد عليه الدولة؟ التعاون مع روسيا لا يعني تلقائياً التبعية، مثلما لا يعني التعاون مع فرنسا أو الولايات المتحدة تلقائياً فقدان السيادة، لكن معيار الاستقلال الحقيقي هو قدرة الدولة على التعامل مع جميع القوى من موقع المصلحة الوطنية، لا أن يصبح أمن النظام نفسه مرهوناً بصورة دائمة بوجود قوة أجنبية.

فرنسا والساحل: هل باريس وراء محاولات إسقاط الأنظمة الجديدة؟

هذا السؤال حاضر بقوة في الرأي العام الإفريقي، ولا يمكن تجاهله، لكنه يحتاج إلى معالجة مسؤولة بعيداً عن الإثارة. فقد اتهمت سلطات مالي وبوركينا فاسو والنيجر خلال السنوات الماضية فرنسا وقوى ودولاً أخرى بمحاولات زعزعة الاستقرار أو دعم خصومها، كما وجه عبد الرحمن تياني اتهامات سابقة إلى فرنسا ودول إقليمية بالتورط في أعمال تستهدف النيجر. وفي المقابل، لم تظهر حتى الآن أدلة علنية ومستقلة تكفي للجزم بأن فرنسا هي التي نظمت تمرد أغسطس/آب 2026 في النيجر. ومن الخطأ الصحفي تحويل الشكوك أو الاتهامات الحكومية إلى حقيقة ثابتة من دون أدلة. لكن سيكون من السذاجة أيضاً إنكار وجود صراع نفوذ حقيقي في الساحل، لأن المنطقة أصبحت نقطة التقاء لمصالح فرنسا وروسيا والولايات المتحدة والصين وتركيا والجزائر ودول الخليج وقوى إفريقية إقليمية. ولذلك قد تتداخل الأزمات الداخلية مع الحسابات الخارجية، لكن التداخل لا يعني بالضرورة أن كل انقلاب أو تمرد جرى التخطيط له في عاصمة أجنبية. والأهم من ذلك أن تحميل الخارج مسؤولية كل أزمة قد يمنع الأنظمة نفسها من مواجهة الأسباب الداخلية الحقيقية، مثل الخلافات داخل الجيش، والفساد، وسوء الإدارة، والخسائر العسكرية، والأزمة الاقتصادية.

اليورانيوم في النيجر والذهب في مالي وبوركينا فاسو: الصراع على الساحل ليس عسكرياً فقط

وراء المعركة العسكرية والسياسية توجد مسألة لا تقل أهمية هي الثروات الطبيعية. فالنيجر تملك احتياطيات مهمة من اليورانيوم والنفط والذهب، وقررت سلطاتها في يونيو/حزيران 2025 تأميم شركة Somaïr لليورانيوم التي كانت شركة Orano الفرنسية تمتلك غالبية رأسمالها، وهو القرار الذي تحول إلى رمز للصراع بين نيامي وباريس حول مفهوم السيادة على الموارد. ويمكن مراجعة تفاصيل القضية عبر تقرير رويترز حول تأميم النيجر لشركة Somaïr لليورانيوم. ومالي بدورها واحدة من الدول المهمة في إنتاج الذهب، كما تتزايد أهمية موارد الليثيوم لديها، في حين يشكل الذهب عنصراً مركزياً في اقتصاد بوركينا فاسو. ولذلك فإن المعركة حول السيادة ليست مجرد خلاف حول القواعد العسكرية، وإنما تتعلق أيضاً بالسؤال الذي يلاحق إفريقيا منذ الاستقلال: من يملك الثروة؟ من يستخرجها؟ من يحدد شروط العقود؟ وأين تذهب القيمة المضافة؟ ولماذا بقيت مناطق غنية بالذهب واليورانيوم والمعادن تعاني مستويات مرتفعة من الفقر وضعف البنية التحتية؟

السيادة لا تتحقق بتأميم المناجم وحده: الامتحان الحقيقي يبدأ بعد خروج الشركات والقوات الأجنبية

لكن استعادة السيطرة القانونية على منجم أو إنهاء اتفاق عسكري لا تكفي وحدها لبناء السيادة. تستطيع الدولة تأميم شركة، وإخراج قوات أجنبية، وإلغاء اتفاقية، وتغيير تحالفاتها الدولية، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ في اليوم التالي: هل تستطيع إدارة المنجم بكفاءة؟ هل تستطيع تسويق الإنتاج؟ هل تستطيع تحويل الإيرادات إلى كهرباء ومستشفيات ومدارس وطرق وفرص عمل؟ هل تستطيع إنشاء جيش محترف وقضاء مستقل وإدارة فعالة؟ إذا لم يشعر المواطن بأن استعادة الثروة غيرت حياته، فإن الخطاب السيادي مهما كان قوياً سيصطدم عاجلاً أم آجلاً بالواقع الاقتصادي. وهذا هو التحدي الأكبر أمام مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لأن الشعبية التي أنتجها رفض الهيمنة الفرنسية يمكن أن تمنح الأنظمة الجديدة وقتاً ورصيداً سياسياً، لكنها لا تمنحها شيكاً على بياض إلى الأبد. المواطن الذي دعم استعادة اليورانيوم أو الذهب سيطالب في النهاية بمعرفة أين ذهبت عائداته.

إبراهيم تراوري بين توماس سانكارا وصعوبة الحكم: الشعبية وحدها لا تبني دولة

يتمتع إبراهيم تراوري بمكانة خاصة في هذه المعادلة، لأن صورته أصبحت بالنسبة إلى جزء من الشباب الإفريقي مرتبطة بفكرة النهضة والسيادة ورفض الاستعمار الاقتصادي. والمقارنة المستمرة بينه وبين توماس سانكارا تعزز هذه الرمزية، لكنها تضع على كتفيه أيضاً عبئاً تاريخياً كبيراً. فالرمز يستطيع تعبئة الجماهير، لكن الدولة تحتاج إلى مؤسسات، والزعيم يستطيع إطلاق مشروع سياسي، لكنه لا يستطيع بمفرده إدارة بلد كامل إلى الأبد. ولذلك فإن مستقبل تجربة تراوري لن يحدده عدد مقاطع الفيديو التي تحصد ملايين المشاهدات ولا حجم شعبيته خارج بوركينا فاسو، وإنما قدرته على استعادة الأراضي التي تسيطر عليها أو تهددها الجماعات المسلحة، وتحسين الاقتصاد، وإدارة الذهب والثروات الوطنية، وبناء مؤسسات تستمر بعده. وإذا لم يتحقق ذلك، فقد يجد نفسه أمام السؤال نفسه الذي واجهه داميبا والذي يواجهه تياني اليوم: أين النتائج التي برر الجيش وصوله إلى السلطة من أجل تحقيقها؟

أخطر سيناريو في الساحل: من الانقلابات العسكرية إلى الانقلابات داخل الأنظمة العسكرية

في تقديرنا، هنا توجد النقطة الأهم في أحداث النيجر. فمن الممكن النظر إلى السنوات الممتدة من 2020 إلى 2023 باعتبارها الموجة الأولى من التحول في الساحل، وهي موجة انقلاب الجيوش على الحكومات المدنية أو الانتقالية. لكن ما نراه بعد ذلك قد يمثل بداية الموجة الثانية: انقلاب أو تمرد أجزاء من الجيوش على الأنظمة العسكرية التي أنتجتها الموجة الأولى. وقد ظهر هذا السيناريو فعلياً في بوركينا فاسو عندما أطاح تراوري بداميبا، وظهر في مالي من خلال انقلاب 2021 داخل المرحلة الانتقالية، ويطل اليوم مجدداً من النيجر. وإذا أصبح هذا النمط قاعدة، فسيكون أخطر بكثير من مجرد تغيير عدد من الرؤساء، لأن معنى الدولة نفسها سيصبح معرضاً للاهتزاز: كل ضابط يمتلك قوة عسكرية كافية يمكنه أن يقول إن القيادة فشلت، وإن الأمن تدهور، وإن الشعب يعاني، وإن إنقاذ الوطن يفرض تدخله. وفي هذه الحالة تتحول البندقية من أداة للدفاع عن الدولة إلى وسيلة لتحديد من يحكمها.

هل يعني ذلك أن التجربة السيادية في الساحل فشلت؟

ليس بالضرورة. سيكون من المبكر جداً إعلان فشل تجربة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مثلما سيكون من غير الواقعي إعلان نجاحها النهائي. المنطقة تمر بمرحلة انتقال تاريخية، ومن الطبيعي أن تكون هذه المرحلة مليئة بالصراعات والأخطاء والضغوط الداخلية والخارجية. وقد نجحت الأنظمة الجديدة بالفعل في إعادة قضية السيادة الاقتصادية والسياسية إلى قلب النقاش الإفريقي، وفي إجبار قوى دولية كانت معتادة على التعامل مع المنطقة باعتبارها مجال نفوذ شبه ثابت على إعادة حساباتها. كما أن إنشاء تحالف دول الساحل يمثل محاولة حقيقية لبناء آلية تعاون إقليمية جديدة. لكن النجاح النهائي لن يقاس بالخطابات ولا بعدد الأعلام الروسية أو الفرنسية التي تختفي أو تظهر في الشوارع، بل بقدرة هذه الدول على إنتاج الأمن والتنمية والمؤسسات. فإذا نجحت في ذلك، فقد تكون المنطقة أمام بداية تحول إفريقي تاريخي. وإذا فشلت، فقد تتحول موجة السيادة إلى دورة جديدة من عدم الاستقرار العسكري.

الخلاصة: ما حدث في النيجر إنذار لتياني وتراوري وغويتا وللمشروع الساحلي بأكمله

إن محاولة التمرد والانقلاب التي شهدتها النيجر في نهاية أغسطس/آب 2026 لا تعني أن نظام عبد الرحمن تياني على وشك السقوط، لكنها كشفت أن السلطة ليست محصنة وأن التحدي لم يعد يأتي فقط من التنظيمات الجهادية أو الخصوم الخارجيين، بل من داخل الجيش نفسه. وهي رسالة تتجاوز نيامي لتصل إلى عاصمي غويتا في مالي وإبراهيم تراوري في بوركينا فاسو: الشرعية الثورية أو العسكرية يمكن أن تمنح النظام وقتاً، والخطاب السيادي يمكن أن يمنحه شعبية، ومواجهة فرنسا أو تغيير التحالفات يمكن أن تعيد رسم السياسة الخارجية، لكن لا شيء من ذلك يعوض الحاجة إلى بناء مؤسسات قوية وتحقيق الأمن وتحسين حياة السكان. فالساحل اليوم لا يخوض فقط معركة بين روسيا وفرنسا، ولا معركة بين العسكريين والمدنيين، ولا حتى معركة بين الدولة والجماعات المسلحة؛ إنه يخوض معركة أعمق حول معنى الدولة الإفريقية نفسها، ومن يملك قرارها وثرواتها ومن يحكمها وبأي شرعية.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل مالي وبوركينا فاسو والنيجر ليس ما إذا كانت فرنسا ستعود أو روسيا ستبقى، وإنما ما إذا كانت هذه الدول ستنجح في الانتقال من مرحلة «استعادة السيادة» إلى مرحلة «بناء دولة السيادة». فطرد قاعدة عسكرية أجنبية يمكن أن يتم خلال أشهر، وتأميم منجم يمكن أن يتم بمرسوم، وإسقاط رئيس يمكن أن يحدث خلال ساعات، لكن بناء دولة مستقرة يحتاج سنوات ومؤسسات وثقة بين المواطن والجيش والسلطة. والسيادة الحقيقية لا تبدأ عندما يغادر آخر جندي أجنبي فقط، بل عندما تصبح الدولة قوية بما يكفي بحيث لا يحتاج المواطن إلى انقلاب لتغيير الحكم، ولا يحتاج الحاكم إلى قوة أجنبية للبقاء في الحكم. وما حدث في نيامي قد يكون الإنذار الأقوى حتى الآن بأن الوقت بدأ يضيق أمام أنظمة الساحل لتحويل شعارات الثورة والسيادة والاستقلال إلى نتائج حقيقية على الأرض.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا