في كل حدث كبير خارج الحدود، يعود النقاش اللبناني إلى نقطة مألوفة: قراءة العالم من داخل الانقسام المحلي. وتأتي المظاهرات الفرنسية مثالاً جديداً على هذا النمط، إذ لا تُتابَع بوصفها تطوراً اجتماعياً وسياسياً في بلد أوروبي فحسب، بل تتحول سريعاً إلى مرآة تعكس تموضع اللبنانيين حيال قضاياهم هم. هكذا يصبح الموقف من الشارع الفرنسي امتداداً لمواقف راسخة من السلطة، الدولة، الأمن، الحريات، والاحتجاج، وهي ملفات حاضرة بقوة في النقاش العام داخل لبنان.
هذا الانقسام لا يعني بالضرورة معرفة تفصيلية بما يجري داخل فرنسا، ولا يقوم دائماً على متابعة دقيقة لمسار المطالب أو ردود فعل المؤسسات. فجزء من الآراء ينطلق من موقف مسبق تجاه النظام الفرنسي، أو تجاه فكرة النظام السياسي الغربي عموماً، فيما يقرأ آخرون المشهد من زاوية الاستقرار ودور الدولة وحدود الاحتجاج. وبين الموقفين، تُستعاد المفردات اللبنانية نفسها: الشرعية، الشارع، القمع، الفوضى، الحق في الاعتراض، ومسؤولية المؤسسات. وتتحول الوقائع الخارجية إلى مادة إضافية في سجال داخلي لا ينتهي.
خصوصية الحالة اللبنانية أن فرنسا ليست بلداً بعيداً في الوعي السياسي المحلي. فهي حاضرة تاريخياً وثقافياً ودبلوماسياً، كما أن مؤسساتها الرسمية، ومنها الحكومة الفرنسية، تتابَع في بيروت أكثر مما تُتابَع مؤسسات دول أخرى. لذلك لا تمر الأزمات الفرنسية كخبر خارجي عابر. فهي تُستخدم أحياناً للمقارنة مع الواقع اللبناني، وأحياناً لإثبات وجهة نظر مسبقة حول أداء الدول، أو هشاشة المجتمعات، أو حدود النموذج الديمقراطي عندما يواجه احتجاجاً واسعاً.
لكن الأهم في هذا المشهد ليس الموقف من فرنسا بحد ذاته، بل طريقة إنتاج المواقف في لبنان. فالحدث الخارجي لا يدخل إلى النقاش العام كملف مستقل، بل يُعاد ترتيبه داخل الاصطفافات القائمة. من يقف ضد السلطة في الداخل قد يميل إلى تفهم غضب الشارع في الخارج، ومن يخشى انهيار المؤسسات قد يرى في أي احتجاج واسع تهديداً للنظام العام. وبين الحالتين، يظل السؤال مطروحاً حول قدرة المجال العام اللبناني على فصل الوقائع عن الرغبات السياسية، وعلى قراءة تجارب الآخرين من دون تحويلها فوراً إلى نسخة جديدة من الانقسام المحلي.


