ما يحدث في ليبيا اليوم ليس أزمة كهرباء عابرة، ولا خلافاً سياسياً عادياً بين حكومة في طرابلس وسلطة منافسة في الشرق، بل هو تداخل خطير بين الانقسام السياسي والسلاح والمال والنفط والغضب الشعبي وعودة تيار النظام السابق إلى واجهة الحسابات الوطنية. فالبلاد التي تملك ثروة نفطية هائلة لا تزال عاجزة عن توفير الكهرباء بصورة مستقرة، بينما تتنافس حكومتان وتشكيلات مسلحة ومراكز نفوذ محلية على مؤسسات الدولة وإيراداتها. وفي الوقت نفسه، أعاد اغتيال سيف الإسلام القذافي في فبراير/شباط 2026 طرح سؤال مستقبل أنصار القذافي، لا لأن سيف الإسلام عاد شخصياً إلى الساحة، بل لأن مقتله حرر كتلة سياسية واجتماعية واسعة من ارتباطها بمرشح واحد، وفتح سباقاً جديداً على تمثيلها واستقطابها. وبين احتجاجات الشارع وإغلاق منشآت الطاقة، واستهداف البنية الكهربائية بالطائرات المسيّرة، ومسار انتخابي جديد تقوده الأمم المتحدة، تقف ليبيا أمام لحظة دقيقة: إما تحويل التفاهمات الأخيرة إلى مؤسسات موحدة وانتخابات فعلية، أو استمرار إدارة الانقسام إلى أن تشعل حادثة محلية مواجهة أوسع.
ماذا يحدث في ليبيا اليوم؟
تعيش ليبيا، في مطلع سبتمبر/أيلول 2026، على وقع توتر اجتماعي وأمني وسياسي متزامن. فقد أدت الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وتراجع الخدمات، وارتفاع الأسعار، وفقدان الثقة في الحكومات إلى احتجاجات في طرابلس ومدن الساحل الغربي، ثم انتقلت الأزمة من الشارع إلى المنشآت الحيوية عندما أغلق محتجون مجمع مليتة للنفط والغاز احتجاجاً على استمرار انقطاع الكهرباء. ولم يكن ذلك التحرك الأول من نوعه؛ ففي نهاية يوليو/تموز اقتحم محتجون المجمع نفسه وأوقفوا خطوط الغاز التي تغذي محطات كهربائية، ما تسبب في اضطراب الإنتاج بحقول الفيل والوفاء ومنصة صبراتة، قبل أن تستعيد الحكومة السيطرة على المنشأة وتستأنف الإمدادات. لكن عودة الإغلاق في بداية سبتمبر كشفت أن الأزمة لم تُحل، وأن الإجراءات الحكومية لم تستعد ثقة السكان. وتزداد خطورة الوضع لأن مجمع مليتة لا يمثل منشأة اقتصادية محلية فقط، بل يعد عقدة أساسية لإمدادات الكهرباء الليبية ولتصدير الغاز نحو إيطاليا، وبالتالي فإن أي تعطيل طويل له يمكن أن يسبب خسائر داخلية ويؤثر في علاقات ليبيا مع شركائها الأوروبيين.
أزمة الكهرباء: الشرارة التي كشفت أزمة الدولة
الكهرباء هي العنوان الظاهر، لكن الاحتجاج عليها يعكس شعوراً أعمق بانهيار العلاقة بين المواطن والدولة. فالليبي لا يقارن أوضاعه بدول أكثر ثراءً فحسب، بل يقارنها بثروة بلاده نفسها، ويسأل كيف يمكن لدولة نفطية ذات عدد سكان محدود أن تعجز عن صيانة شبكة الكهرباء وتوفير الوقود للمحطات. وتعود الأزمة إلى أسباب متشابكة تشمل تقادم البنية التحتية، وضعف الصيانة، وعدم استقرار إمدادات الغاز والوقود، والفساد في العقود، والانقسام الإداري، والاعتداءات على المنشآت، والزيادة في الاستهلاك، فضلاً عن صعوبة تنفيذ مشاريع طويلة الأجل داخل بيئة أمنية متقلبة. وقد تعرضت محطة كهرباء في الزاوية، خلال أغسطس/آب، لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى تدميرها واندلاع حريق وانقطاعات واسعة، في سياق تصاعد المواجهة بين حكومة عبد الحميد الدبيبة وقوى مسلحة محلية. وهذا التطور مهم لأنه يعني أن أزمة الطاقة لم تعد نتيجة سوء الإدارة وحده، بل أصبحت جزءاً من الصراع الأمني؛ فكل ضربة لمنشأة كهربائية تزيد غضب الشارع، وكل احتجاج يغلق منشأة للغاز يفاقم الانقطاعات، لتدخل البلاد في حلقة مفرغة يمكن أن تستفيد منها قوى تسعى إلى إضعاف الحكومة أو تحسين موقعها التفاوضي.
من يحكم ليبيا فعلياً؟
القول إن ليبيا مقسمة بين الشرق والغرب صحيح، لكنه لا يشرح تعقيد السلطة داخل كل منطقة. ففي طرابلس تعمل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تشكلت عام 2021 بوصفها سلطة انتقالية مهمتها الوصول إلى الانتخابات، لكنها بقيت في الحكم بعد تعذر إجراء اقتراع ديسمبر/كانون الأول 2021. ويقول الدبيبة إنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، بينما يرى خصومه أن التفويض الانتقالي لحكومته انتهى. وفي الشرق توجد حكومة برئاسة أسامة حماد مدعومة من مجلس النواب، بينما تملك قوات خليفة حفتر النفوذ العسكري والأمني الأهم في الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب. ومع ذلك، لا يمثل الغرب معسكراً واحداً؛ فطرابلس ومصراتة والزاوية ومدن أخرى تضم تشكيلات مسلحة وقوى اجتماعية واقتصادية تتحالف مع الحكومة حين تتقاطع المصالح، ثم تنافسها أو تواجهها عندما تتغير التعيينات أو العقود أو مناطق النفوذ. وبذلك تبدو ليبيا كدولة تملك مؤسسات رسمية، لكن من دون مركز سيادي واحد يحتكر السلاح والقرار والإنفاق العام.
لماذا وصلت ليبيا إلى هذا الوضع؟
تعود الجذور المباشرة للأزمة إلى سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، لكن المشكلة لم تبدأ فقط من إسقاط الحاكم، بل من طبيعة الدولة التي تركها النظام وراءه. فقد أدار القذافي البلاد من خلال سلطة شخصية وشبكات ولاء، وأضعف المؤسسات العسكرية والسياسية المستقلة، ولذلك أدى انهيار النظام إلى فراغ لم تكن مؤسسات الدولة مؤهلة لملئه. واحتفظت الجماعات المسلحة التي شاركت في انتفاضة 2011 بأسلحتها ونفوذها المحلي، فيما عجزت الحكومات الانتقالية عن تفكيكها أو دمجها في جيش وشرطة مهنيين. والأسوأ أن السلطات اضطرت إلى الاعتماد على هذه الجماعات، ومنحتها رواتب وصفات رسمية، فتحولت بعض الميليشيات إلى أجهزة تعمل باسم الدولة ومن داخل ميزانيتها من دون خضوع كامل لقيادتها. وفي عام 2014 وقع الانقسام الكبير بين مؤسسات شرقية وغربية، ثم دخلت البلاد مرحلة من الحروب والتحالفات المتغيرة انتهت بهجوم قوات حفتر على طرابلس بين 2019 و2020. وقد أوقف اتفاق أكتوبر/تشرين الأول 2020 الحرب الواسعة، لكنه لم يوحد الجيش، ولم ينه وجود القوات الأجنبية والمرتزقة، ولم يحسم طريقة توزيع الثروة أو شكل النظام السياسي.
الميليشيات: أجهزة تحمل صفة الدولة ولا تخضع لها بالكامل
إحدى أخطر خصائص الحالة الليبية هي صعوبة الفصل بين المؤسسة الرسمية والجماعة المسلحة. فعدد من التشكيلات يحمل أسماء ألوية أو أجهزة أمنية ويتلقى التمويل والرواتب من الدولة، لكنه يحتفظ بقيادته الخاصة وشبكاته الاقتصادية ومراكز احتجازه ومجاله الجغرافي. وقد كشفت أحداث طرابلس في مايو/أيار 2025 هذه الحقيقة بوضوح، عندما أدى مقتل عبد الغني الككلي، قائد جهاز دعم الاستقرار، إلى مواجهات كانت من الأعنف في العاصمة منذ سنوات. وقدمت حكومة الدبيبة تحركاتها حينها باعتبارها محاولة لإنهاء نفوذ تشكيلات خارجة عن السيطرة، لكن منتقديها رأوا أن ما جرى لم يكن بناءً لجيش وطني بقدر ما كان إعادة توزيع للنفوذ بين جماعات مسلحة، بحيث تحل قوة محل أخرى. وفي الشرق تبدو قوات حفتر أكثر تنظيماً وهرمية من تشكيلات الغرب، لكنها ترتبط بقيادة عسكرية وعائلية شديدة المركزية ولا تخضع لسلطة مدنية وطنية منتخبة. وظهور طائرات مسيّرة قتالية جديدة لدى قوات الشرق، رغم حظر السلاح المفروض على ليبيا، يزيد المخاوف من ارتفاع القدرة التدميرية لأي مواجهة مقبلة.
الدبيبة وحفتر: صراع على الدولة والموارد
يُختصر المشهد أحياناً في مواجهة بين عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر، لكن الصراع يتجاوز الرجلين. يستند الدبيبة إلى وجود حكومته في العاصمة، وإلى الاعتراف الدولي العملي بها، وقدرتها على إدارة الإنفاق والعقود والتحالفات مع قوى غرب ليبيا. أما حفتر فيستند إلى قوة عسكرية أكثر تماسكاً، وسيطرة جغرافية واسعة، وشبكة من العلاقات الإقليمية والدولية، ونفوذ متزايد لأبنائه داخل المؤسسة العسكرية والاقتصاد والمشروعات الكبرى في الشرق. وقد أثبتت التجربة أن أياً من المعسكرين غير قادر بسهولة على إلغاء الآخر؛ فحفتر لم ينجح في السيطرة على طرابلس عسكرياً، وحكومة طرابلس لا تستطيع فرض سلطتها على الشرق. لذلك تحولت المنافسة من الحرب المباشرة إلى الصراع على الميزانية والمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والتعيينات السيادية والعلاقات الخارجية. ويظل احتمال المواجهة قائماً، ليس بالضرورة لأن أحد الطرفين يريد شن حرب شاملة فوراً، بل لأن نزاعاً محلياً في طرابلس أو الزاوية أو الجنوب قد يستدعي تحالفات أوسع ويجعل التراجع صعباً.
النفط والمال العام: القلب الحقيقي للصراع الليبي
لا يدور النزاع الليبي على السلطة السياسية وحدها، بل على الطريقة التي تتحول بها عائدات النفط إلى رواتب وعقود ونفوذ. تقع معظم الحقول والموانئ النفطية في مناطق يسيطر عليها معسكر الشرق أو توجد ضمن مساحات أمنية شديدة التعقيد في الجنوب، بينما تمر الإيرادات رسمياً عبر المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي في طرابلس. ويستطيع الطرف المسيطر على الحقول والموانئ استخدام الإغلاق للضغط السياسي، في حين تستطيع الجهات المسيطرة على القرار المالي التأثير في توزيع الميزانيات والاعتمادات. ولهذا يمكن لخلاف على رئاسة المصرف المركزي أو الميزانية العامة أن يؤدي إلى إغلاق النفط وتراجع الإيرادات واضطراب العملة. وقد خفّض المصرف المركزي قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المئة في يناير/كانون الثاني 2026، بعد خفض سابق في أبريل/نيسان 2025، في ظل ضغوط الإنفاق والانقسام وتذبذب الإيرادات النفطية. وفي المقابل، شكل الاتفاق في أبريل/نيسان 2026 على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد مؤشراً إيجابياً، لكنه لا يكفي إذا استمر الإنفاق الموازي وضعف الرقابة وتهريب الوقود. فالنفط يمنع انهيار ليبيا لأنه يمول مؤسساتها وسكانها، لكنه يسمح أيضاً لمراكز القوة بتقاسم الريع من دون الاتفاق على دولة واحدة.
عودة تيار القذافي: ما الذي تغير فعلاً؟
الحديث عن «عودة القذافي» لا يعني عودة النظام السابق بصورته القديمة، ولا عودة سيف الإسلام شخصياً إلى النشاط السياسي؛ فسيف الإسلام القذافي اغتيل في 3 فبراير/شباط 2026 داخل مقر إقامته في الزنتان، بحسب تأكيد فريقه السياسي ومكتب النائب العام وتقارير وكالات دولية. وقد قُتل برصاص مسلحين مجهولين بعدما اقتحموا المكان وعطلوا كاميرات المراقبة، ولا تزال هوية الجهة المنفذة ودوافعها موضع أسئلة وصراع في الروايات. لكن اغتياله لم ينهِ الظاهرة القذافية، بل أعاد تشكيلها. فهناك قاعدة اجتماعية وسياسية تضم أنصار النظام السابق، وقبائل ومناطق ترى أنها تعرضت للتهميش بعد 2011، ومواطنين لا ينتمون تنظيمياً إلى القذافي لكنهم يقارنون بين الفوضى الحالية والاستقرار والخدمات اللذين يتذكرونهما من مرحلة ما قبل الحرب. ولهذا فإن عودة تيار القذافي هي، في جانب كبير منها، عودة للذاكرة السياسية والحنين إلى الدولة المركزية، أكثر مما هي عودة لنظام يمتلك قيادة موحدة وبرنامجاً متكاملاً.
سيف الإسلام القذافي: الحضور السياسي بعد الغياب
كان سيف الإسلام قبل مقتله الشخصية الوحيدة تقريباً القادرة على جمع قطاعات مختلفة من أنصار النظام السابق تحت اسم واحد. وقد عزز ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 حضوره الرمزي، كما ساهم الجدل القانوني والسياسي حول ترشحه في تعقيد العملية الانتخابية التي انهارت قبل موعدها. لم يكن سيف الإسلام يملك جيشاً منظماً أو إدارة تسيطر على الأرض، لكنه امتلك رمزاً واسم عائلة وشبكة من المؤيدين، وكان قادراً على جذب أصوات من خارج النواة الصلبة لأنصار والده، خصوصاً بين من يرون أن الطبقة السياسية التي حكمت بعد 2011 فشلت في بناء الدولة. وبعد اغتياله لم تعد المسألة هي «عودة سيف الإسلام»، بل مستقبل الكتلة التي كان يمثلها: هل تنتقل إلى شخصية أخرى من عائلة القذافي، أم تنقسم بين حفتر ومرشحين من الغرب، أم تتحول إلى تيار مستقل يطالب بالمصالحة وإعادة دمج مسؤولي النظام السابق؟ وهذا يجعل إرث سيف الإسلام أكثر حضوراً في الانتخابات المقبلة، حتى بعد غيابه الجسدي، لأن ملايين الناخبين المحتملين سيعيدون توزيع ولائهم بحسب من يستطيع تقديم نفسه وريثاً لمشروع الدولة والاستقرار.
من يقود أنصار القذافي بعد اغتيال سيف الإسلام؟
لم يظهر حتى الآن وريث سياسي يمتلك قدرة سيف الإسلام على توحيد ما يعرف بـ«تيار سبتمبر». وتُطرح أسماء من عائلة القذافي، بينها عائشة القذافي والساعدي القذافي، لكن أياً منهما لم يتحول بعد إلى قائد سياسي جامع داخل ليبيا. كما أن التيار نفسه ليس حزباً متماسكاً؛ فهو يضم مسؤولين سابقين وشبكات قبلية وشخصيات محلية ومجموعات في الشتات وناخبين غاضبين من النظام القائم. ويترك غياب القيادة الباب مفتوحاً أمام محاولات الاستقطاب. فقد يسعى معسكر حفتر إلى اجتذاب قسم من أنصار القذافي عبر خطاب الجيش والاستقرار ومواجهة الإسلاميين، لكنه يصطدم بحساسيات لدى بعضهم تجاه دور قوات الشرق ومواقفها السابقة من سيف الإسلام. وقد تحاول قوى في الغرب استقطابهم عبر المصالحة والإفراج عن المعتقلين وإعادة الحقوق المدنية، لكنها تواجه بدورها إرث الصراع مع أنصار النظام السابق. ومن الممكن أيضاً أن يتبلور مرشح جديد يقدم نفسه باعتباره ممثلاً للمصالحة الوطنية لا امتداداً حرفياً للنظام القديم.
لماذا يتوسع الحنين إلى عهد القذافي؟
لا يعني الحنين إلى ما قبل 2011 أن الليبيين نسوا القمع السياسي أو احتكار السلطة في عهد القذافي، لكنه يكشف حجم خيبة الأمل مما جاء بعده. فبعد خمسة عشر عاماً من سقوط النظام، لا تزال البلاد بلا انتخابات رئاسية وبرلمانية مكتملة، وبلا جيش موحد، وبلا حكومة تفرض سلطتها على كامل التراب. وتراجعت الخدمات واتسع نفوذ السلاح والفساد والتهريب، في حين أصبح المواطن يواجه مؤسسات متنافسة تطلب منه الاعتراف بشرعيتها من دون أن توفر له الكهرباء والأمن والقضاء الفعال. وفي هذا السياق تتحول المقارنة مع الماضي إلى أداة احتجاج على الحاضر. وقد يستفيد أنصار القذافي من هذه الحالة عبر تقديم النظام السابق باعتباره مرادفاً للوحدة والسيادة والاستقرار، مع تجاهل أو تقليل جوانبه الاستبدادية. وكلما أخفقت السلطات الحالية في تحسين حياة السكان، اتسعت المساحة السياسية للخطاب الذي يقول إن الثورة أسقطت النظام لكنها لم تبنِ الدولة.
هل يستطيع تيار القذافي العودة إلى الحكم؟
يمتلك هذا التيار وزناً انتخابياً محتملاً، لكنه لا يملك وحده طريقاً سهلاً إلى الحكم. أولاً، لا تزال الذاكرة الليبية منقسمة بعمق حول أحداث 2011، وهناك مدن وقوى مسلحة تعتبر عودة رموز النظام السابق تهديداً مباشراً. ثانياً، يفتقر التيار بعد اغتيال سيف الإسلام إلى شخصية تجمع بين الاسم والحضور والشبكات الداخلية. ثالثاً، لا يمكن لأي مرشح الفوز ثم الحكم من دون تفاهمات مع القوى المسيطرة على طرابلس والشرق والمؤسسات المالية. ومع ذلك، يستطيع أنصار القذافي لعب دور حاسم في أي انتخابات حقيقية، إما عبر مرشح منهم أو عبر ترجيح كفة مرشح يقدم ضمانات للمصالحة وعودة المهجرين ورفع القيود عن رموز النظام السابق. وقد يؤدي استبعادهم من العملية السياسية إلى نتائج عكسية، لأنه يمنحهم حجة بأن النظام الجديد يقوم على الإقصاء، بينما يمكن لإدماجهم وفق القانون والعدالة الانتقالية أن يحولهم من كتلة احتجاج إلى شريك سياسي.
الانتخابات الجديدة: فرصة للحل أم مرحلة انتقالية إضافية؟
توصل ممثلون عن الأطراف الليبية في 30 أغسطس/آب 2026، ضمن حوار تقوده بعثة الأمم المتحدة، إلى اتفاق يرسم طريقاً نحو الانتخابات خلال أربعة وعشرين شهراً. ويركز المسار على استكمال إطار انتخابي قابل للتطبيق وإصلاح المؤسسات المشرفة على الاقتراع وتهيئة الظروف السياسية والأمنية. لكن المشكلة الليبية لم تكن يوماً في إعلان موعد وحده؛ فقد تعطلت انتخابات 2021 بسبب الخلاف على شروط الترشح، وتسلسل الانتخابات، والطعون القضائية، وقبول النتائج. ولا تزال الأسئلة نفسها مطروحة: هل يسمح للعسكريين بالترشح؟ كيف يعالج وضع الشخصيات المطلوبة قضائياً؟ هل تجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معاً؟ ومن يضمن عدم استخدام السلاح لرفض النتيجة؟ كما أن مهلة العامين قد تكون ضرورية لإنجاز الترتيبات، لكنها تمنح أصحاب السلطة الحاليين فرصة للمماطلة. لذلك لا تقاس جدية خريطة الطريق بموعدها النهائي فقط، بل بالمراحل الملزمة التي تنجز خلال الأشهر المقبلة.
كيف يؤثر تيار القذافي في الانتخابات المقبلة؟
سيكون ملف أنصار النظام السابق من أكثر الملفات حساسية في وضع القوانين الانتخابية. فقد أظهر ترشح سيف الإسلام عام 2021 أن استبعاد شخصية ذات قاعدة اجتماعية كبيرة يمكن أن يهدد شرعية الاقتراع، وفي المقابل أثار ترشحه رفضاً شديداً بسبب دوره خلال انتفاضة 2011 والملاحقات القضائية المحلية والدولية. وبعد مقتله انتقلت المشكلة من أهلية شخص واحد إلى حق تيار كامل في التنظيم والمشاركة. فإذا سُمح لأنصار القذافي بالمنافسة ضمن قواعد واضحة، فقد يعيد ذلك جزءاً من الفئات المقصاة إلى العملية السياسية، لكنه سيغير حسابات الدبيبة وحفتر وبقية المرشحين. أما إذا جرى تصميم القوانين لمنعهم بصورة غير مباشرة، فقد تقاطع قطاعات منهم الانتخابات أو ترفض نتائجها. ومن هنا فإن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ليستا ملفين أخلاقيين منفصلين عن الانتخابات، بل شرطين لمنع الاقتراع من إنتاج نزاع جديد.
التدخلات الخارجية وتعقيد الأزمة
لم تعد ليبيا منذ 2011 ساحة داخلية خالصة. فقد دعمت تركيا سلطات طرابلس وأسهم تدخلها العسكري في وقف هجوم حفتر عام 2020، بينما حصل معسكر الشرق خلال مراحل مختلفة على دعم من مصر والإمارات وروسيا. وتهتم أوروبا، وخصوصاً إيطاليا، باستقرار إمدادات النفط والغاز واحتواء الهجرة عبر المتوسط، فيما توسع الولايات المتحدة اتصالاتها مع الطرفين سعياً إلى توحيد المؤسسات والحد من النفوذ الروسي وتأمين الاستثمارات النفطية. والمفارقة أن التدخل الخارجي يمنع الحرب أحياناً ويطيل الانقسام أحياناً أخرى؛ إذ تضغط الدول من أجل التهدئة عندما تهدد المعارك مصالحها، لكنها تعقد في الوقت نفسه تفاهمات منفردة مع قوى ليبية تمنحها المال والشرعية والسلاح. وقد شهد عام 2026 مؤشرات إيجابية، من بينها مشاركة قوات من الشرق والغرب في تدريبات عسكرية بقيادة أمريكية في سرت، لكنها تبقى خطوات رمزية ما لم تتحول إلى قيادة عسكرية ليبية موحدة.
الوجه الإنساني للأزمة الليبية
يدفع المدنيون والمهاجرون الثمن الأكبر لاستمرار الانقسام. فقد وثقت منظمات دولية عمليات قتل خارج القانون واعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وانتهاكات داخل سجون ومراكز احتجاز تديرها جماعات مرتبطة اسمياً بسلطات الشرق أو الغرب. ويواجه المهاجرون واللاجئون بصورة خاصة الاحتجاز والابتزاز والعمل القسري والاتجار بالبشر والعنف الجنسي، فيما تحولت قضية الهجرة إلى ورقة سياسية داخلية وفي العلاقات مع أوروبا. وشهد عام 2026 احتجاجات ضد وجود المهاجرين، بينما نفت الأمم المتحدة وجود أي مشروع لتوطينهم في ليبيا. ولا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن بنية الصراع؛ فاقتصاد التهريب والاحتجاز يوفر المال والنفوذ لجماعات مسلحة، والإفلات من العقاب الذي يسمح بإيذاء المهاجر يسمح أيضاً بانتهاك حقوق المواطن الليبي.
لماذا أصبحت الأوضاع خطيرة؟
تنبع الخطورة الحالية من اجتماع عدة أزمات في اللحظة نفسها: غضب شعبي بسبب الكهرباء والأسعار، مؤسسات سياسية فقدت جزءاً كبيراً من شرعيتها، تشكيلات مسلحة قادرة على تحويل أي نزاع إلى قتال، منشآت نفطية وغازية معرضة للإغلاق، وانتشار الطائرات المسيّرة والأسلحة الحديثة. وإذا توقف النفط أو الغاز فترة طويلة، ستتراجع قدرة الدولة على تمويل الرواتب والدعم والاستيراد، وقد يضعف الدينار وترتفع الأسعار، ما يؤدي إلى احتجاجات أكبر. وإذا استخدمت القوة ضد المحتجين أو حاولت جماعة السيطرة على منشأة حيوية، فقد تتدخل جماعات منافسة تحت عنوان حماية المدينة أو الحكومة. لكن ذلك لا يعني أن الحرب الأهلية الشاملة أصبحت حتمية؛ فوقف إطلاق النار الوطني لا يزال قائماً، والقوى الرئيسية تدرك كلفة المواجهة، كما تملك الدول المؤثرة أدوات ضغط لمنع الانفجار. والتقدير الأدق هو أن ليبيا تواجه خطراً مرتفعاً من الاشتباكات المحلية والتدهور الاقتصادي، مع احتمال حقيقي، وإن كان أقل، لتحول حادثة كبيرة إلى مواجهة وطنية.
السيناريوهات المحتملة في ليبيا
يتمثل السيناريو الأفضل في نجاح خريطة الطريق الجديدة، واعتماد قوانين انتخابية متفق عليها، وتوحيد الميزانية والمؤسسات، ووضع ترتيبات أمنية لحماية الاقتراع، وإدماج جميع التيارات، بما فيها أنصار النظام السابق، في منافسة سياسية خاضعة للقانون. أما السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القريب فهو استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم»: حكومتان، مساومات على المال والنفط، احتجاجات دورية، واشتباكات محدودة تتوقف بتدخل داخلي أو خارجي. ويبقى السيناريو الأخطر متمثلاً في انهيار طويل للكهرباء، أو إغلاق ممتد للمنشآت النفطية، أو مواجهة بين الحكومة وقوة مسلحة كبيرة في طرابلس أو الزاوية، ثم انتقال الصراع إلى المطارات والمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط. وقد يزيد الصراع على استقطاب أنصار القذافي من حدة التنافس إذا شعر أي معسكر بأن الانتخابات المقبلة قد تهدد موقعه.
ما الذي يمنع انفجاراً جديداً؟
تحتاج ليبيا إلى أكثر من اتفاق سياسي جديد أو مؤتمر دولي إضافي. المطلوب جدول انتخابي يتضمن مراحل محددة وملزمة، وقواعد شفافة للترشح والطعون، وميزانية موحدة منشورة تخضع للرقابة، وحماية قانونية وأمنية للمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وشركة الكهرباء. كما تحتاج البلاد إلى منع استخدام الحقول والموانئ ومجمعات الغاز أدواتٍ للضغط، وإلى مسار تدريجي لتجميع التشكيلات المسلحة تحت قيادة مدنية، بدلاً من نقل النفوذ من ميليشيا إلى أخرى. ويجب أن تشمل المصالحة أنصار النظام السابق وعائلات الضحايا والمهجرين والمعتقلين، مع عدم تحويل المصالحة إلى إفلات من العقاب. أما دولياً، فينبغي وقف تدفق السلاح وربط الدعم الاقتصادي والعسكري بالتزام الأطراف بالانتخابات وحقوق الإنسان، بدلاً من الاستمرار في التعامل مع الانقسام باعتباره واقعاً دائماً.
ليبيا أمام مفترق حاسم
ليبيا ليست دولة منهارة بالكامل، لكنها ليست دولة مستقرة تواجه أزمة خدمات عادية. إنها دولة غنية وقابلة للنهوض، غير أن سيادتها موزعة بين حكومات ومجالس وقوات مسلحة ومصالح خارجية. وما جعل الوضع أخطر في 2026 هو انتقال الفشل السياسي إلى حياة المواطن اليومية، ثم انتقال غضب المواطن إلى قلب منشآت النفط والغاز والكهرباء. وفي الوقت ذاته، أعاد اغتيال سيف الإسلام القذافي ترتيب الخريطة؛ فقد غاب الرجل الذي كان قادراً على توحيد أنصار النظام السابق، لكن التيار الاجتماعي والسياسي الذي التف حوله لم يختف، بل أصبح كتلة تتنافس القوى الأخرى على استقطابها. ولذلك فإن «عودة القذافي» اليوم هي عودة الإرث والقاعدة الانتخابية وخطاب الدولة المركزية، وليست عودة سيف الإسلام نفسه أو استعادة آلية للنظام السابق.
الخلاصة
الخطر الحقيقي في ليبيا لا يأتي من حادثة واحدة، بل من إمكانية تفاعل جميع الأزمات: انقطاع الكهرباء يشعل الاحتجاج، والاحتجاج يعطل الغاز، وتعطل الغاز يفاقم الكهرباء ويخفض إيرادات الدولة، ثم يستغل السياسيون والجماعات المسلحة الغضب لإعادة توزيع القوة. وفي الخلفية يستمر الصراع بين حكومة الدبيبة ومعسكر حفتر، بينما يحاول تيار القذافي إعادة تنظيم نفسه بعد اغتيال سيف الإسلام، وتبحث القوى الخارجية عن ضمان مصالحها في النفط والغاز والأمن والهجرة. تملك خريطة الطريق الانتخابية الجديدة فرصة لوقف هذه الدائرة، لكن نجاحها يتطلب قبول جميع الأطراف بأن الدولة لا يمكن أن تبقى غنيمة موزعة بينها. والسؤال الحاسم لم يعد ما إذا كان الليبيون يريدون الاستقرار والانتخابات، بل ما إذا كانت القوى التي استفادت من المرحلة الانتقالية ستقبل بنظام قد يجعلها تخسر السلطة والمال والسلاح. فإذا لم يحدث ذلك، ستظل ليبيا تستهلك ما تبقى من هوامش الأمان، إلى أن تتحول أزمة محلية جديدة إلى انفجار يصعب احتواؤه


