في مشهد ثقافي يميل غالبا إلى الاحتفاء بالأعمال الروائية الضخمة، فرض الفيلم الوثائقي You Can See Everything حضوره في أميركا الشمالية بعدما تجاوزت إيراداته 45 مليون دولار. العمل، الذي يحمل توقيع ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم، يتمحور حول إليزابيث هولمز، الاسم الذي ظل مرتبطا بواحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في عالم التكنولوجيا والأعمال. هذا الرقم لا يعكس نجاحا تجاريا فحسب، بل يشير أيضا إلى قدرة السينما الوثائقية على منافسة عناوين جماهيرية أوسع حين تلتقط موضوعا يلامس الذاكرة العامة والأسئلة الأخلاقية للمجتمع.
أهمية هذا النجاح تكمن في أنه يتجاوز حدود الفضول حول شخصية عامة مثيرة للانقسام. فحكاية إليزابيث هولمز لم تعد مجرد ملف قانوني أو اقتصادي، بل صارت مادة ثقافية يتقاطع فيها خطاب الابتكار مع صورة الريادة في وادي السيليكون، ومع السؤال عن حدود الثقة في الوعود التقنية. لذلك وجد الفيلم جمهورا لا يقتصر على متابعي الأعمال الوثائقية، بل يمتد إلى المهتمين بثقافة الشركات الناشئة، والإعلام، وبناء الرموز العامة في الولايات المتحدة.
بالنسبة إلى سوق العرض في أميركا الشمالية، يمثل الأداء المالي للفيلم مؤشرا لافتا على تغير موقع الوثائقي داخل القاعات. فالنجاح التجاري لهذا النوع من الأعمال لا يتحقق عادة بالأرقام نفسها التي تسجلها أفلام الترفيه الكبرى، لكن تجاوز حاجز 45 مليون دولار يمنح You Can See Everything مكانة خاصة في النقاش حول قابلية الوثائقي لأن يصبح حدثا عاما. كما يعزز ذلك موقع الأعمال التي تعالج شخصيات واقعية لا تزال آثار قصصها حاضرة في النقاش العام، خصوصا عندما تتصل بعوالم المال، التكنولوجيا، وصناعة الصورة.
اختيار ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم لهذا الموضوع ينسجم مع اهتمام متزايد في الإنتاجات المعاصرة بإعادة فحص سرديات النجاح الفردي. ومن دون الحاجة إلى خطاب صاخب، يتيح الفيلم للجمهور العودة إلى قصة هولمز من زاوية سينمائية، حيث لا يقتصر الاهتمام على الوقائع المعروفة، بل يشمل الطريقة التي تتحول بها الشخصيات العامة إلى رموز ثقافية قابلة للتأويل المتكرر. هنا تبدو قوة العمل في قدرته على تحويل مادة مرتبطة بالأخبار والاقتصاد إلى تجربة مشاهدة جماعية.
تحول الفيلم إلى ظاهرة ثقافية يعني أن أثره لم يبق محصورا في الإيرادات أو تقييمات الجمهور، بل امتد إلى النقاش الأوسع حول العلاقة بين الحقيقة والسرد البصري. وفي وقت تتنافس فيه المنصات والقاعات على جذب المشاهد، يبرهن You Can See Everything أن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على إنتاج لحظات ثقافية حول فيلم وثائقي عندما يجتمع موضوع شديد الحضور مع معالجة قادرة على مخاطبة جمهور واسع.


