Homeالاقتصادسوق الشغل في المغرب تحت مجهر جديد: أرقام تكشف اتساع دائرة الباحثين...

سوق الشغل في المغرب تحت مجهر جديد: أرقام تكشف اتساع دائرة الباحثين عن فرصة اقتصادية

ما وراء معدل البطالة الرسمي

تفتح المعطيات الجديدة المتعلقة بسوق الشغل في المغرب نقاشاً يتجاوز بكثير الارتفاع أو الانخفاض التقليدي في معدل البطالة، إذ تكشف المؤشرات الموسعة عن وجود شريحة كبيرة من السكان توجد على هامش النشاط الاقتصادي دون أن تظهر بالضرورة ضمن الرقم الرسمي للعاطلين. فخلال الربع الأول من سنة 2026، بلغ معدل البطالة وفق التعريف الإحصائي المعتمد 10,8%، غير أن قراءة أكثر شمولاً لأوضاع سوق العمل تظهر مستويات أعلى بكثير من عدم استغلال الموارد البشرية. وتبرز في هذا السياق فئة «القوة العاملة المحتملة»، التي تضم أشخاصاً لديهم رغبة في العمل وارتباط بسوق الشغل، لكنهم لا يستوفون جميع الشروط المطلوبة لإدراجهم ضمن العاطلين بالمعنى الإحصائي الدقيق. وقد بلغ عدد هؤلاء في المغرب نحو 884 ألف شخص، وهو رقم يضع مسألة قياس البطالة نفسها في صلب النقاش، لأن معرفة عدد العاطلين وحدها لم تعد كافية لتقدير حجم الطاقات البشرية التي لا يجد الاقتصاد سبيلاً إلى استيعابها.

884 ألف شخص بين الرغبة في العمل وحدود التعريف الإحصائي

لا ينبغي النظر إلى هؤلاء الـ884 ألف شخص باعتبارهم مجرد فئة تقنية أضيفت إلى جداول الإحصاء، لأن وجودهم يعكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً أكثر تعقيداً. فالقوة العاملة المحتملة تشمل، بصورة عامة، أشخاصاً قريبين من سوق العمل ويرغبون في الاندماج فيه، لكن وضعيتهم لا تسمح بتصنيفهم ضمن البطالة الصريحة وفق المعايير الجديدة. وقد يتعلق الأمر بأشخاص توقفوا عن البحث النشط عن وظيفة بعد فترة طويلة من المحاولات غير المثمرة، أو بآخرين يرغبون في العمل لكنهم لا يستوفون شرط التوفر الفوري ضمن المدة المرجعية المعتمدة. ومن الناحية الاقتصادية، تظل هذه الفئة ذات أهمية كبيرة، لأنها تمثل عرضاً محتملاً من اليد العاملة يمكن أن يعود إلى النشاط متى تحسنت الظروف وظهرت فرص أكثر ملاءمة. لذلك فإن عدم احتساب هؤلاء ضمن معدل البطالة الرسمي لا يعني أنهم خارج إشكالية التشغيل، بل يكشف تحديداً أن الحدود بين البطالة والنشاط وعدم النشاط أكثر تعقيداً مما يوحي به رقم واحد.

عندما ترتفع الصورة من 10,8% إلى 22,5%

تتضح أهمية هذه القراءة عندما نقارن مستويات المؤشرات المختلفة لعدم استغلال اليد العاملة. فمعدل البطالة الصريح يقف عند 10,8%، لكنه يرتفع إلى 16,6% عند توسيع نطاق القياس ليأخذ بعين الاعتبار حالات نقص التشغيل، أي الأشخاص الذين يعملون ولكن بحجم عمل أقل من الذي يرغبون فيه أو يستطيعون القيام به. ويصل أحد المؤشرات الموسعة إلى 17,1% عند إدماج القوة العاملة المحتملة، بينما يبلغ المؤشر الأشمل، الذي يجمع البطالة ونقص التشغيل والقوة العاملة المحتملة، 22,5%. والفرق بين هذه المستويات ليس تفصيلاً إحصائياً، بل يعكس اختلافاً جوهرياً في الطريقة التي ننظر بها إلى الاقتصاد: فمعدل البطالة التقليدي يقيس فئة محددة من الأشخاص الذين لا يعملون ويبحثون بنشاط عن وظيفة ويستوفون شروطاً دقيقة، بينما تحاول المؤشرات الأوسع الإجابة عن سؤال أكبر يتعلق بحجم الموارد البشرية التي يريد أصحابها العمل أكثر أو الالتحاق بسوق العمل، لكن الاقتصاد لا يستخدمها استخداماً كاملاً.

منهجية جديدة تعيد رسم حدود البطالة

تأتي هذه الأرقام في سياق تحول مهم في الطريقة التي يقاس بها سوق الشغل في المغرب. فمنذ الربع الأول من سنة 2026، شرعت المندوبية السامية للتخطيط في اعتماد مقاربة جديدة لقياس أوضاع السكان في سوق العمل، في إطار ملاءمة أكبر مع المعايير الدولية لمنظمة العمل الدولية. ووفق التعريف الصارم للبطالة، ينبغي أن يكون الشخص من دون عمل خلال الفترة المرجعية، وأن يكون قد قام بخطوات فعلية للبحث عن وظيفة خلال الأسابيع الأربعة السابقة، وأن يكون متاحاً لبدء العمل في الأجل المحدد. وتسمح هذه المعايير بتوحيد القياس وإجراء مقارنات دولية أكثر دقة، لكنها تعني أيضاً أن الرغبة في الحصول على وظيفة لا تكفي وحدها لكي يصنف الفرد عاطلاً. ومن هنا تظهر أهمية نشر مؤشرات موازية للبطالة، لأن الاقتصار على المعدل الرئيسي قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للتحولات الجارية داخل سوق العمل، خصوصاً عندما تكون هناك فئات واسعة تتنقل بين البحث النشط عن العمل والتوقف عنه والعودة إليه بحسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

العامل المحبط… حين يؤدي غياب الفرص إلى التوقف عن البحث

من بين أكثر الظواهر التي تستحق الانتباه في تحليل القوة العاملة المحتملة ظاهرة الإحباط المهني، أي وصول بعض الباحثين عن العمل إلى مرحلة يتراجع فيها بحثهم النشط عن وظيفة، ليس لأنهم لم يعودوا يريدون العمل، وإنما لأنهم أصبحوا أقل اقتناعاً بجدوى الاستمرار في البحث. ويمكن أن ينشأ هذا الوضع بعد تكرار رفض طلبات التوظيف، أو ندرة الفرص في منطقة معينة، أو وجود فجوة بين التكوين والوظائف المتاحة، أو ضعف الأجور مقارنة بتكاليف النقل والسكن، أو صعوبة إيجاد وظيفة مستقرة. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون التوقف عن البحث نفسه نتيجة لأزمة التشغيل وليس دليلاً على انتهائها. وهذه نقطة بالغة الأهمية في قراءة المؤشرات، لأن تحسن معدل البطالة لا يكون بالضرورة إيجابياً إذا كان جزء منه ناتجاً عن انتقال أفراد من البحث النشط إلى الإحباط والخروج من التعريف الإحصائي للبطالة، بينما التحسن الحقيقي هو الذي يحدث عندما ينتقل هؤلاء إلى وظائف فعلية ومستدامة.

الشباب أمام أصعب بوابات الاندماج الاقتصادي

تزداد الصورة إثارة للقلق عند النظر إلى وضعية الشباب، إذ يصل المؤشر الذي يجمع البطالة والقوة العاملة المحتملة إلى 40,4% لدى هذه الفئة. ويعني هذا المستوى أن صعوبات الولوج إلى النشاط الاقتصادي تتجاوز بكثير عدد الشباب المصنفين رسمياً ضمن العاطلين، لتشمل فئات أخرى قريبة من سوق العمل لكنها لم تتمكن من الاندماج فيه بصورة مستقرة. وتكتسب المشكلة خطورة إضافية لأن البطالة أو الابتعاد المطول عن سوق العمل في بداية الحياة المهنية يمكن أن يترك آثاراً تمتد لسنوات، سواء على مستوى اكتساب الخبرة أو تطور الأجور أو الاستقلال المالي أو القدرة على بناء مسار مهني مستقر. كما يمكن أن تدفع صعوبة الاندماج بعض الشباب إلى قبول وظائف غير مستقرة أو التوجه نحو القطاع غير المهيكل أو التفكير في الهجرة، فيما قد يصل آخرون إلى مرحلة الانسحاب من البحث النشط. ولذلك فإن معالجة تشغيل الشباب تحتاج إلى أكثر من برامج ظرفية، إذ ترتبط أيضاً بقدرة الاقتصاد على خلق عدد كاف من الوظائف المنتجة وبمدى تطابق التكوينات والمهارات مع التحولات الفعلية في الطلب على اليد العاملة.

النساء وفجوة المشاركة التي لا تكشفها البطالة وحدها

أما بالنسبة للنساء، فيبلغ المؤشر الذي يجمع البطالة والقوة العاملة المحتملة 27,9%، وهو مستوى يعكس جانباً من التحدي الأكبر المرتبط أصلاً بضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي. فقياس البطالة النسائية من خلال الباحثات النشيطات عن العمل لا يقدم بمفرده صورة كاملة عن الطاقات النسائية التي يمكن أن تلتحق بسوق الشغل إذا توفرت الظروف المناسبة. فقرار البحث عن وظيفة بالنسبة إلى عدد من النساء يرتبط بعوامل تتجاوز وجود الوظيفة نفسها، مثل توفر وسائل النقل، والقرب من مكان العمل، ومستوى الأجر، وظروف العمل، ورعاية الأطفال، وتقاسم المسؤوليات الأسرية، ومدى قبول بعض أنواع الوظائف اجتماعياً. ولذلك فإن توسيع مشاركة النساء في الاقتصاد يحتاج إلى معالجة مجموعة مترابطة من القيود، لأن خلق فرصة عمل لا يؤدي بالضرورة إلى شغلها إذا كانت الكلفة الاجتماعية والمادية للوصول إليها أكبر من العائد المتوقع منها.

نقص التشغيل يكشف مشكلة أخرى: الحصول على وظيفة لا يعني دائماً الخروج من الهشاشة

من النقاط التي تبرزها المؤشرات الموسعة أيضاً أن أزمة سوق العمل لا تقتصر على الأشخاص الذين لا يملكون وظيفة. فهناك أشخاص يعملون بالفعل، لكن حجم العمل المتاح لهم أقل مما يرغبون فيه أو يحتاجون إليه، وهو ما يدخل ضمن أشكال نقص التشغيل. وهذه الفئة مهمة لفهم واقع الأسر ومستويات الدخل، لأن الانتقال الإحصائي من البطالة إلى العمل لا يعني دائماً الانتقال الاقتصادي من الهشاشة إلى الاستقرار. فقد يشتغل شخص لساعات محدودة، أو بصورة متقطعة، أو في نشاط موسمي لا يوفر دخلاً منتظماً، فيظهر ضمن المشتغلين رغم استمرار حاجته إلى ساعات عمل إضافية. وعندما يصل المؤشر الذي يدمج بعض أشكال عدم استغلال العمل إلى مستويات أعلى بكثير من البطالة التقليدية، فإن ذلك يشير إلى أن التحدي ليس فقط في خلق أي وظيفة، وإنما أيضاً في خلق عمل كاف ومنتج وقادر على توفير حد معقول من الاستقرار الاقتصادي.

هل يمكن مقارنة أرقام 2026 مباشرة بالسنوات السابقة؟

يفرض تغيير منهجية قياس سوق الشغل قدراً كبيراً من الحذر عند إجراء المقارنات الزمنية. فعندما تتغير التعريفات أو أدوات المسح أو طريقة تصنيف السكان، يصبح من الضروري التمييز بين التحولات الناتجة عن الواقع الاقتصادي وتلك التي قد ترتبط بالمنهجية الإحصائية. ولذلك فإن أي حديث عن تحسن أو تراجع كبير في البطالة خلال المرحلة الجديدة ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار قابلية الأرقام للمقارنة مع السلاسل السابقة. والمشكلة هنا ليست في اعتماد منهجية جديدة، بل على العكس، يمكن لتطوير أدوات القياس أن يوفر صورة أدق بكثير عن سوق العمل، إلا أن قراءة النتائج تحتاج إلى توضيح مستمر لما تغير في التعريف وما تغير فعلاً على الأرض. فالنجاح الاقتصادي لا يقاس بانتقال الأشخاص من خانة إحصائية إلى أخرى، وإنما بقدرة الاقتصاد على نقلهم إلى نشاط منتج يضمن دخلاً واستقراراً وآفاقاً مهنية.

من سياسة خفض البطالة إلى سياسة تعبئة الطاقات البشرية

تدفع هذه الأرقام في اتجاه إعادة التفكير في الهدف نفسه من سياسات التشغيل. فإذا كان التركيز ينصب حصراً على خفض معدل البطالة الرسمي، فقد تبقى فئات واسعة خارج دائرة الاهتمام رغم استعدادها المحتمل للعمل. أما إذا أصبح الهدف هو تقليص عدم استغلال اليد العاملة بمختلف أشكاله، فإن نطاق السياسة الاقتصادية يصبح أوسع، ليشمل خلق الوظائف وتحسين جودتها، وإعادة إدماج المحبطين، ورفع مشاركة النساء، وتسهيل انتقال الشباب من الدراسة إلى العمل، ومعالجة نقص التشغيل، وتحسين التنقل نحو مناطق النشاط الاقتصادي. كما يفرض ذلك ربط سياسة التشغيل بالاستثمار والتعليم والتكوين المهني والسياسات الصناعية والتنمية الترابية، لأن سوق العمل في النهاية لا يخلق الوظائف بمعزل عن بنية الاقتصاد وقدرته على توليد أنشطة ذات قيمة مضافة قادرة على استيعاب أعداد متزايدة من الداخلين إليه.

التحدي الحقيقي ليس تحسين المؤشر بل توسيع قاعدة العاملين

تكمن القيمة الأساسية للأرقام الجديدة في أنها تجعل النقاش حول التشغيل أكثر دقة، لأنها تذكر بأن الحدود الإحصائية للبطالة لا تتطابق دائماً مع الحدود الاجتماعية والاقتصادية لمشكلة العمل. فوجود نحو 884 ألف شخص ضمن القوة العاملة المحتملة لا يعني أن هؤلاء يجب إضافتهم آلياً إلى عدد العاطلين، لأن الأمر يتعلق بفئات إحصائية مختلفة لكل منها تعريف محدد، لكنه يعني في المقابل أن تقييم أداء الاقتصاد من خلال معدل البطالة وحده سيكون ناقصاً. وعندما يصل أوسع مؤشرات عدم استغلال اليد العاملة إلى 22,5%، فإن الرسالة الأساسية تصبح واضحة: المغرب لا يواجه فقط تحدي البطالة بمعناها التقليدي، بل تحدياً أكبر يتعلق بقدرته على تعبئة رأسماله البشري وتحويل الرغبة والاستعداد للعمل إلى مشاركة اقتصادية فعلية. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون مجرد انخفاض رقم البطالة المنشور، بل ارتفاع عدد الأشخاص الذين يجدون عملاً منتجاً ومستقراً، وتراجع عدد الذين يقفون على أبواب سوق الشغل دون أن يتمكنوا من الدخول إليه.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر تداولا