من طفل صغير البنية إلى نجم يكتب التاريخ في سباقات الدراجات، استطاع السلوفيني تادي بوغتشار، 27 عاما، أن يصنع مسيرة استثنائية تجاوزت حدود التوقعات. وأصبح الدراج المتوج الأحد بلقب خامس في طواف فرنسا للدراجات الهوائية، معادلا به الرقم القياسي بهذا السباق الشهير، واحدا من أبرز الرياضيين في العصر الحديث، بعدما فرض اسمه بقوة في عالم سباقات الدراجات الهوائية بفضل إنجازاته الاستثنائية وأدائه المذهل. وعلى الرغم من شخصيته الهادئة والمرحة بعيدا عن المنافسات، فإنه يتحول على الدراجة إلى بطل لا يُقهر، ما جعله محل إعجاب الجماهير والخبراء، ودفع كثيرين إلى اعتباره أعظم دراج في التاريخ.
لأول مرة في تاريخه… طواف فرنسا يواجه ظروفا استثنائية وإجراءات غير مسبوقة
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.

شخصية متواضعة ومرحة، مثيرة للجدل
نشأ السلوفيني مع شقيق وأختين قبل أن ينتقل إلى موناكو مع شريكته أورشكا زيغارت، وهي أيضا دراجة محترفة. ويصفه والداه، مارييتا وميركو، بأنه شخص بالغ اللطف. وقالت والدته، وهي أستاذة سابقة للغة الفرنسية، لموقع “سيول” السلوفيني: “كان تادي يحب التهريج عندما كان طفلا. وعندما كان يشعر بوجود توتر داخل العائلة، كان يفعل كل ما بوسعه لتهدئة الأجواء. كان وسيطا بطبعه. يحب البيئات المليئة بالابتسامات والراحة”.
كانت بداياته متواضعة جدا، وفق ما يروي الدراج اللوكسمبورغي لوك فيرتغن، المولود مثله عام 1998. ويقول: “التقينا للمرة الأولى عندما كان عمرنا 12 أو 13 عاما في سباق بألمانيا. كنت قصيرا، لكنه كان الأقصر بين الجميع. لدي صورة له، كان صغيرا جدا. كنت ما زلت قادرا على هزيمته. لكن في فئة الناشئين أصبح ظاهرة بالفعل”. وبحسب مدربه الأول في ليوبليانا ميها كونسيليا، فإن بنيته الجسدية النحيلة (طوله اليوم 1,76 متر ووزنه 66 كلغ) تفسر تأخر نتائجه الكبيرة حتى سن الثامنة عشرة، قبل أن يبدأ منذ عام 2019 في اكتساح المنافسات.
يحرص بوغتشار على نقل هذه الأجواء المرحة إلى فريقه، إذ يحظى بإعجاب زملائه الذين يبادلهم التقدير، كما فعل مع المكسيكي إيساك ديل تورو خلال هذا الطواف. وعنه يقول الفرنسي بافل سيفاكوف: “أحب العمل معه لأنه صديق وقائد رائع. لم نعد ندرك ذلك حتى، لأنه حين يكون على الدراجة يبدو وكأنه يستمتع فحسب، لكنه يتحمل كل الضغوط، وللتعامل مع ذلك لا بد أن تكون بطلا عظيما. إنه كائن من عالم آخر يكتب التاريخ. وسيواصل كتابته”. يقول المخضرم الأسترالي مايكل ماثيوز الذي يتدرب معه كثيرا في موناكو حيث يقيمان: “تادي أحد الأسباب التي تجعلني أواصل مسيرتي. أرى فيه نفسي عندما كنت شابا، بحبه لهذه الرياضة وشغفه بها وطاقة التفاؤل التي ينشرها”.
وعلى الرغم من سيطرته الكبيرة على السباقات، لكنه يتمتع بازدواجية لافتة: شخص عادي في الحياة اليومية، ويتحول إلى قوة جارفة ما إن يمتطي دراجته، حتى بات ضمن دائرة أعظم الرياضيين في هذا القرن.
اقرأ أيضاطواف فرنسا: الأسترالي غروفز يحقق أسرع زمن في المرحلة ما قبل الأخيرة
مسيرة حافلة بالإنجازات والتحديات
نجح تادي بوغتشار في تحقيق إنجازات تاريخية جعلته في مصاف أساطير رياضة الدراجات، فسجله لم تعد تتسع له صفحة واحدة، فقد أحرز خمسة ألقاب في طواف فرنسا، إضافة إلى عشرات الانتصارات في المراحل والبطولات العالمية والكلاسيكية. فقد حقق 26 فوزا بمراحل، ولقبين عالميين، و13 لقبا في سباقات “مونومنت” (السباقات الكلاسيكية ليوم واحد)، ولقبا في طواف جيرو إيطاليا، و127 انتصارا في المجمل. كما دفع مستواه الاستثنائي العديد من الخبراء إلى مقارنته بأساطير الرياضة مثل إيدي ميركس، بل إن بعضهم يرى أنه يتفوق عليه في العمر نفسه من حيث عدد الإنجازات، وهو ما يعكس حجم الموهبة التي يمتلكها.
لكن هيمنته بدأت تثير الملل والانزعاج لدى البعض، وأعادت إلى الواجهة الشكوك التقليدية المرتبطة بالمنشطات في رياضة عانت طويلا من هذه الآفة، إلا أنه يؤكد باستمرار استعداده للخضوع لجميع الفحوصات لإثبات نزاهته والحفاظ على مصداقية الرياضة.
فخلال طواف فرنسا، جرى إيقاظه ليلا، كما منافسه الدانماركي يوناس فينغيغارد، للخضوع لفحص مفاجئ، وهو إجراء استثنائي بررته السلطات بوجود “شبهات خطيرة ومحددة”. ويؤكد بوغتشار أنه يخضع لهذه الاختبارات “برحابة صدر إذا كان ذلك يساعد على إثبات نزاهتنا”.
ويتعرض السلوفيني أحيانا لصافرات استهجان من بعض الجماهير، لكنه في المقابل غالبا ما يكون الأكثر تصفيقا خلال عروض تقديم الفرق. ويقول الإيرلندي ستيفن روش، بطل طواف فرنسا عام 1987: “إنه مصدر إلهام لآلاف الأطفال. إنه يقدم خدمة عظيمة لرياضة الدراجات”.
اقرأ أيضاطواف فرنسا: البلجيكي تيم ويلينس يفوز بالمرحلة الخامسة عشرة وبوغتشار يحتفظ بالقميص الأصفر
البلجيكي ريمكو إيفينبويل: “تادي الأعظم على الإطلاق”
ويقول الدراج السويسري السابق ماورو جانيتي، مديره في فريق الإمارات: “إنه (نجم كرة السلة الأمريكي) مايكل جوردان”. ويقارنه آخرون بالعداء الجامايكي الأسطورة يوسين بولت، بينما يؤكد هو نفسه أنه يستلهم من لاعب كرة المضرب نوفاك جوكوفيتش.
وفي هضبة سوليزون الأحد الماضي، تحدث وصيفه البلجيكي ريمكو إيفينبويل مطولا عن بوغتشار واصفا إياه بأنه “الأعظم على الإطلاق”، قبل أن يستدرك سريعا ويشير أيضا إلى ميركس، مدركا أن الصحافة البلجيكية كانت تترقب كلماته. ويقول الفرنسي وارين بارغيل: “إنه يملك موهبة استثنائية. إنه إله على دراجة”.
أما ماتشين فرنانديس، مديره الرياضي في فريق الإمارات، حيث يُقدَّر راتبه السنوي بنحو ثمانية ملايين يورو، فيؤكد بحزم: “تادي ليس فقط أفضل دراج في العالم، بل هو أيضا الأفضل في تعامله معكم (الصحافيين) ومع الجماهير. دائما متاح لالتقاط صورة أو توقيع تذكار. لم أعش حقبة ميركس، لكن خلال ثلاثين عاما قضيتها في هذه الرياضة، لم أرَ أحدا يضاهيه. وبفارق كبير”.

